السادس : أنّ التهديد والوعيد والتخويف الشديد ، والإخبار بوقوع العذاب العظيم والعقاب الجسيم قد تظافر في الآيات وتواتر في الروايات ، فإن كان المراد من هذا العذاب والعقاب : الذي ليس فيه ألم ولا نكال ، فكيف يحسن التهديد والتخويف به ويقال : إنّه يحسن خلْفه ؟ وإن كان المراد به المؤلم المؤذي ، فكيف يقال باعتياده والتلذّذ به والإلفة له ؟
السابع : أنّ غاية ما يدلّ عليه حسن خلف الوعيد وشمول الرحمة ونحوهما حسن العفو والتجاوز ، ومدّعى هؤلاء وجوب العفو وقبح دوام العذاب ، فإن كان دوام العذاب والعقاب عدلًا فلا قبح فيه ، وإن كان ظلماً وجوراً فلا معنى للتجاوز والعفو عنه ، فإنّهما لا يجريان إلّافي المستحقّ .
الثامن : أنّه إذا كانت هذه التهديدات والتخويفات والإخبارات إنّما صدرت لمصلحة الانزجار والارتداع عن المعاصي والسيّئات ، وليست على حقيقتها ، مع قيام الدليل العقليّ القطعيّ على قبح أصل العذاب بزعم طائفة منهم ، وقبح دوامه وعدم جوازه بزعم آخرين ، تكون هذه التهديدات والتوعيدات حينئذٍ لا فائدة فيها ولا ثمرة تعتريها ، وتجويز صدور مثل ذلك عن الحكيم العليم يؤدّي إلى مفاسد عظيمة ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً .
التاسع : أنّ ما زعموه من انقطاع العقاب أو عدم وقوعه ليس بمكذَّب ولا مناف للآيات والأخبار الدالّة على وقوعه ودوامه ؛ إذ يكون حينئذٍ من قبيل العام المخصّص ولا يسمّى ذلك كذباً ، فكما أنّ آيات العقاب لغير الكفّار أو لهم مشروطة بعدم التوبة وإن لم تشتمل على الشرط ، فكذا آيات العقاب ودوامه مشروطة بعدم العفو ، أو تحمل على استحقاق العاصيللعقاب وإنحسن العفو عنه .
ولو سلّم كون ذلك كذباً فلا ضير ؛ إذ لا نسلّم قبح كلّ كذب ، بل الكذب الضارّ ، أمّا الكذب النافع فلا ، وأيّ نفع أعظم من ترتّب الانقياد للطاعات والانزجار عن السيّئات ؟
واستحقاق الثواب والخلاص من العقاب كلام فاسد متهافت متناقض من وجوه :
أمّا أوّلًا فللفرق الواضح بين ما يقبل التخصيص والصرف عن الظاهر ، وبين ما لا يقبله ، والعام من أقسام الظاهر القابل لذلك ، بخلاف النصّ الذي لا يحتمل فيه غير
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 304
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٣٠٤