يتدبّروا كيف جعل اللَّه تعالى إدخال مقدار الحشفة موجباً للقتل والحرق في اللواط ونحو ذلك من الأحكام التي تعجز عن إدراكها العقول والأفهام ؟ !
على أنّ ذلك إنْ تمّ منع أصل العذاب والعقاب في النار وهم لا يقولون به ، مع أنّ اللَّه تعالى يقول في محكم كتابه في شأن أهل النار :
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »
« 1 » ، ويقول سبحانه :
« وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا »
« 2 » ونحوهما من الآيات والروايات .
وسيّد الساجدين وزين العابدين عليه السلام يقول في الصحيفة الكاملة : « إلهي ، لو بكيت إليك حتّى تسقط أشفار عيني ، وانتحبت حتّى ينقطع صوتي ، وقمت لك حتّى تنتشر قدماي ، وركعت لك حتّى ينخلع صلبي ، وسجدت لك حتّى تتفقّأ حدقتاي ، وأكلت تراب الأرض طول عمري ، وشربت ماء الرماد آخر دهري ، وذكرتك في خلال ذلك حتّى يكلّ لساني ، ثمّ لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياءاً منك ، ما استوجبت بذلك محو سيّئة واحدة من سيّئاتي ، وإن كنتَ تغفر لي حين أستوجب مغفرتك ، وتعفو عنّي حين استحقُّ عفوك ، فإنّ ذلك غير واجب لي باستحقاق ، ولا أنا أهل له باستيجاب ، إذ كان جزائي منك في أوّل ما عصيتك النار ؛ فإن تعذّبني فأنت غير ظالم لي . . . » . « 3 » هذا مع أنّهم اعترفوا بأنّ العذاب ليس بفعل منتقم خارجيّ ، بل هو من لوازم أفعالهم ، ونتائج اعتقاداتهم ومعاصيهم ، فإذا كانت العقوبة والعذاب من نتائج الأعمال والمعاصي ، فأيّ ضرر في أن تكون الأعمال والاعتقادات نتيجة وثمرة « 4 » لدوام العقاب ؟
وتوضيح المقام : أنّ تكليف اللَّه عباده يجري مجرى تكليف الطبيب والمريض ، فإذا غلبت عليه الحرارة أمره بشرب المبرّدات ، وهو غنيّ عن شربه ، لا يضرّه مخالفته ولا
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 28 .
( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 72 .
( 3 ) . الصحيفة السجاديّة ، ص 89 .
( 4 ) . كذا ، والأنسب : « منتجة ومثمرة » .