وما ورد في بعض الأخبار والآثار ممّا يشعر بذلك فإنّما هو على سبيل المجاز والاستعارة كقوله صلى الله عليه وآله : « قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فاطفئوها بصلاتكم » « 1 » ، وقوله عليه السلام : « إنّما هي أعمالكم » « 2 » ، ونحو ذلك .
نعم ، يمكن أن يقال بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى كما اقتضت حكمته البالغة أن يتكوّن من النطفة علقة ثمّ مضغة ثمّ لحماً ثمّ عظاماً ثمّ خلقاً آخر على شكل غريب ونوع عجيب ، كلّ ذلك بخلقه وفعله وتدبيره ، كذلك اقتضت حكمته البالغة أن يتولّد من الاعتقادات الفاسدة والأعمال السيّئة الكاسدة هذه العقوبات العظيمة وتلكا لتعذيبات الجسيمة بتقديره وتدبيره ، لا أنّه تعالى ليس له مدخل فيها كما يظهر من كلامه .
وأمّا ثالثاً فإنّه إذا أمكن - بناءاً على زعمهم وأصولهم - أن يكون العذاب الشديد والعقاب الأكيد من لوازم اعتقادات الكفّار وثمرات أعمالهم ، كذلك يمكن أن يكون دوام العذاب والخلود في العقاب من نتائج أعمالهم وثمرات اعتقاداتهم ، لا من فعل منتقم خارجيّ حتّى يقبح منه ذلك ، ويجب عليه قطع مدّة العذاب وانتهاء زمن العقاب ، بناءاً على أصولهم التي زعموا صحّتها وقواعدهم التي ادّعوا تنقيحها ، فكيف غفلوا عمّا تقتضيه أصولهم وقواعدهم والتزموا مخالفة القرآن المبين وسنّة سيّد المرسلين ، والخروج عن إجماع المسلمين بل ضرورة الدين ؟
الحادي عشر : أنّ منصوص الآيات وصراح الروايات قد تظافرت وتواترت بدوام العذاب واستمرار العقاب :
فمنها قوله تعالى في سورة البقرة ردّاً على اليهود الذين زعموا أنّ العذاب يصيبهم مدّة أيّام عبادتهم العجل ثمّ ينقطع عنهم :
« وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ * بَلى مَنْ كَسَبَ
هامش
( 1 ) . من لا يحضره الفقيه ، ج 1 ، ص 208 ، ح 624 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 2 ، ص 238 ، ح 13 ؛ وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 120 ، ح 4678 .
( 2 ) . توحيد المفضّل ، ص 92 ؛ الحكايات ، ص 85 ؛ بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 90 .