ينفعه موافقته كما يعترف به كلّ ذي لبّ ، لكنّ النفع والضرر يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله ، وإنّما الطبيب مرشد فقط ، فإن وفّق المريض حتّى وافق الطبيب شُفي وتخلّص من ألم المرض ، وإن لم يوفّق وخالف تمادى به المرض وهلك ، وبقاؤُه وهلاكه سيّان عند الطبيب ، لاستغنائه عن بقائه وفنائه .
فكما أنّ اللَّه تعالى خلق للشقاء سبباً مفضياً إليه ، فكذلك للسعادة الاخرويّة سبباً ، وهو الطاعة ، ونهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكّية لها عن رذائل الأخلاق ، وهذه الرذائل مشقيات للنفس ، مهلكات لها في الآخرة ، كما أنّ رذائل الأخلاط ممرضات للبدن في الدنيا ، والمعاصي بالإضافة إلى حياة الآخرة كالسموم بالإضافة إلى الحياة الدنيا .
وللنفوس طبيب كما أنّ للأبدان طبيباً ، والأنبياء والأوصياء هم أطبّاء النفوس ، يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد التكاليف المزكّية للقلوب كما قال تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »
« 1 » .
ثمّ نقول : إنّ المريض إذا خالف أمر الطبيب وتمادى به المرض فبالحقيقة لم يتماد مرض المريض بمخالفة الطبيب لأجل المخالفة ، بل لأنّه سلك غير طريق الصحّة الذي أمره الطبيب به ، فكذلك التقوى التي أشار إليها بقوله :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »
« 2 » هي الحُمية التي تنفي عن القلوب أمراضها ، وأمراض القلوب تفوّت حياة الآخرة كما تفوّت أمراض الأجساد حياة الدنيا .
وبالجملة ، فإنّ الطاعات أدوية نافعة ، والمعاصي سموم قاتلة ، وتأثيرهما في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان ، وكما لا ينجو في الآخرة إلّامن أتى اللَّه بقلبٍ سليم ، كذلك لا ينجو هنا من المرض إلّامن أتى بمزاج معتدل ، وكما يصحّ قول الطبيب للمريض : قد عرّفتك ما يضرّك وما ينفعك ، فإن وافقتني فلنفسك ، وإن خالفت فعليها ، كذلك قال اللَّه تعالى :
« فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ
هامش
( 1 ) . الشمس ( 91 ) : 9 و 10 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 21 .