العذاب بل لا يجوز ذلك عليهم ، ووعيد اللَّه تعالى لهم بالعذاب وبدوامه يدلّ على استحقاقهم لذلك حتّى يحسن ويصدق العفو ، فيلزم هؤلاء أن ينكروا أصل الوعيد ، وإنكاره تكذيب للقرآن العظيم والنبيّ الكريم ، وهو موجب للكفر والخلود في الجحيم .
وأمّا القول بأنّ الغرض من هذا الوعيد الإصلاح والانزجار عن المعاصي ، فلو تمّ لقام في أصل العذاب أيضاً ، وهم لا يقولون به .
وبقيام هذه الاحتمالات الواهية الركيكة ينسدّ باب التكليف ويرتفع الوثوق بأقوال ربّ العالمين والأنبياء والمرسلين ، ويلزم منه الخروج عن زمرة المسلمين ، بل عن سائر الملّيّين .
وأمّا خامساً : فإنّ قوله تعالى :
« وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ »
« 1 » مخصوص ببعض أهل المعاصي من فرق المسلمين الذين لا يخلّدون ، كما أطبق عليه المفسّرون وتظافرت به الآيات والروايات .
على أنّ التجاوز لا يتحقّق إلّاقبل دخول جهنّم أو بعد الدخول مع الخروج عنها ، وأمّا رفع العذاب عنهم وهم فيها بعد عذابهم بقدر ما يستحقّونه فلا يسمّى ذلك تجاوزاً ، بل عدلًا كما لا يخفى .
الثالث : أنّ قولهم : قد قام البرهان العقليّ على أنّ الطاعات لا تنفع اللَّه والمعاصي لاتضرُّه ، كلام حقّ وصدق ، بل نقول : إنّ الطاعات تنفع فاعليها ، والمعاصي تضرّهم ، ولهذا ترتّب على تلك الثواب وعلى هذه العقاب .
وقولهم : إنّ كلّ شيء بقضاء وقدر ، فالخلق مجبورون في حال اختيارهم ، فكيف يدوم عذابهم ؟ إن أرادوا رفع الاختيار عنهم وأنّهم مجبورون على أفعالهم ، فهذا الكلام يقبّح أصل التكليف ، ويرفعه فضلًا عن أصل العذاب ، بل فضلًا عن دوامه ، وبهذا يوجب الخروج عن زمرة المسلمين والمخالفة لضرورة الدين المبين ، وكفى به شناعة وفظاعة إلى يوم الدين .
هامش
( 1 ) . الأحقاف ( 46 ) : 16 .