الثاني : أنّ ما استدلّ به من أنّ حال أهل جهنّم ومآلهم إلى النعيم في النار ؛ إذ لابدّ للعذاب من انقطاع ، فيكون نعيمهم فيها كنعيم إبراهيم ، والثناء على اللَّه بصدق الوعد لا بصدق الوعيد كما قال تعالى :
« فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ »
« 1 » ولم يقل وعيده ، بل قال :
« وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ »
« 2 » كلام واضح الفساد :
أمّا أوّلًا : فلأنّه لا دليل على وجوب انقطاع مدّة العذاب وانتهائه ، بل الأدلّة القطعيّة على خلافه ، واشتمال الآية على عدم خلف الوعد ، لا يدلّ على حسن خلف الوعيد ؛ إذ إثبات الشيء لا يدلّ على نفي ما عداه بإحدى الدلالات الثلاث . على أنّه لا وعيد بالنسبة إلى الرسل والأنبياء المعصومين من الزلل ، المفطومين من الخلل ، وما تضمن ظاهره الوعيد لهم كنحو قوله تعالى :
« وَلَوْ . تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ »
« 3 » وأمثاله ، فهو إمّا من باب « إيّاك أعني واسمعي يا جاره » أو على تقدير الصدور الممتنع عليهم عقلًا ونقلًا .
وأمّا ثانياً : فلأنّ الوعيد الذي يحسن خلفه إنّما هو من أقسام الإنشاء ، ولكنّ الخلود في العذاب ، قد دلّت عليه الآيات والروايات الواردة بطريق الإخبار ، وأخبار اللَّه يمتنع فيها الكذب ضرورة .
وأمّا ثالثاً : فلأنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد وعد أنبياءه ورسله بالانتقام من أعدائهم في الدنيا والآخرة وخلودهم في العذاب الدائم ، فخلود الكفّار في العذاب الدائم وعد من اللَّه وعد به أنبياءه ، ويمتنع على اللَّه تعالى خلف وعده ضرورة عقلًا ونقلًا ، كما قال تعالى :
« فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ »
، فيجب وقوعه لا محالة ، فتكون الآية الشريفة ردّاً عليهم .
على أنّ الظاهر من سياق الآية : أنّه ليس الغرض وعد الرسل بالثواب ، بل وعدهم بالنصر والظفر في الدنيا ، والانتقام من أعدائهم وعذابهم في الدنيا والآخرة .
وأمّا رابعاً : فإنّ مقتضى شبهاتهم المذكورة : أنّ الكفّار لا يستحقّون الخلود في
هامش
( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 47 .
( 2 ) . الأحقاف ( 46 ) : 16 .
( 3 ) . الحاقّة ( 69 ) : 44 .