اللَّه تعالى ؛ لما تقرّر وتحقّق أنّ بإزاء كلّ مادّة ما يناسبها من الصور ، فأجود الكمالات لأتمّ الاستعدادات ، وأخسّها لأنقصها كما أشير إليه بقوله عليه السلام : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة ، خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام » فلا يمكن لشيء من المخلوقات أن يظهر في الوجود ذاتاً وصفة وفعلًا إلّابقدر خصوصيّة قابليّته واستعداده الذاتيّ .
ووجه آخر وهو : أنّه قد ثبت أنّ للَّهعزّ وجلّ صفاتاً وأسماءاً متقابلة هي من أوصاف الكمال ونعوت الجلال ، ولها مظاهر متباينة ، بها يظهر أثر تلك الأسماء ، فكلّ اسم من الأسماء يوجب تعلّق إرادته سبحانه وقدرته إلى إيجاد مخلوق يدلّ عليه من حيث اتّصافه بتلك الصفة ، فلذلك اقتضت رحمة اللَّه عزّ وجلّ إيجاد المخلوقات كلّها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى ومجالي « 1 » لصفاته العليا .
مثلًا : لمّا كان قهّاراً أوجد المظاهر القهريّة التي لا يترتّب عليها إلّاأثر القهر من الجحيم وساكنيه والزقّوم ومتناوليه ، ولمّا كان عفوّاً أوجد مجالي للعفو والغفران يظهر فيها آثار رحمته ، وقس على هذا ؛ فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار وأهل الجنّة مظاهر اللطف ، والشياطين ومن والاهم من الأشرار وأهل النار مظاهر القهر ، ومنها تظهر السعادة والشقاوة ؛ فمنهم شقيّ وسعيد .
فظهر أن لا وجه لإسناد الظلم والقبائح إلى اللَّه تعالى ؛ لأنّ هذا الترتيب والتمييز من وقوع فريق في طريق اللطف ، وآخر في طريق القهر من ضروريّات الوجود والإيجاد ، ومن مقتضيات الحكمة والعدالة .
ومن هنا قال بعض العلماء : ليت شعري لِمَ لا يُنسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرّفه وزيراً قريباً ، وبعضهم كنّاساً بعيداً ؛ لأنّ كلّاً منهما من ضروريّات مملكته ، وينسب الظلم إلى اللَّه تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص ، مع أنّ كلّاً منهما ضروريّ في مقامه . « 2 » انتهى كلامه رحمه الله .
هامش
( 1 ) . جمع مجلى ، بمعنى المظهر .
( 2 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 528 .