والمراد بالخلق ثانياً الإيجاد في الخارج ؛ ( فمن خلقه اللَّه سعيداً ) أي علمه وقدّره سعيداً ، وخلقه عالماً بأن سيكون سعيداً لم يبغضه ، أي لم يعاقبه أبداً ، ويحتمل أنّ النفي متوجّه إلى القيد .
( وإن عمل شرّاً ) بمقتضى ما فيه من القوّة الداعية إلى الشرّ ( أبغض عمله ) أي ذمّ فعله ، وحكم بأنّ هذا الفعل ممّا يستحقّ به العقاب ، ولم يبغض الفاعل ، ولم يحكم بأنّه مستحقّ للعقاب لعلمه تعالى أنّه يوفّق للتوبة ، أو تمحى ذنوبه بالآلام والمصائب والمحن والهموم والغموم .
( وإن كان شقيّاً ) في علمه تعالى ، بأن يعلم أنّه يموت على الكفر والضلال لم يحبّه أبداً ، أي لا يحكم بأنّه من أهل الجنّة ولا يثني عليه ؛ لما يعلم من عاقبته وسوء خاتمته باختياره .
( وإن عمل صالحاً ) لما فيه من تلك القوّة الداعية إلى الإصلاح ( أحبّ عمله ) وحكم بأنّ هذا العمل ممّا يستحقّ عامله الثواب إن لم يعمل ما يحبطه أو يزيله من الكفر وغيره ، وربّما كافأه بالإحسان والإنعام في الدنيا ليرِد عليه خالياً عمّا يوجب الدخول في الجنّة .
( وأبغضه ) أي الفاعل ، وحكم بأنّه من أهل النار لما يعلم من اختياره أخيراً الكفر والطغيان وسوء الخاتمة ، فإذا أحبّ اللَّه شيئاً - سواء كان شخصاً أو عملًا - لم يبغضه أبداً ، وكذا العكس بالمعنى الذي ذكر للحبّ والبغض .
فائدة : في السرّ في اختلاف الناس في السعادة والشقاوة
قال المحدّث الكاشانيّ :
السرّ في تفاوت النفوس في الخير والشرّ ، واختلافها في السعادة والشقاوة هو :
اختلاف الاستعدادات وتنوّع الحقائق ، فإنّ الموادّ السفليّة - بحسب الخلقة والماهيّة - متباينة في اللطافة والكثافة ، وأمزجتها مختلفة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقيّ والأرواح الإنسيّة التي بإزائها مختلفة بحسب الفطرة الأولى في الصفاء والكدورة والقوّة والضعف ، مترتّبة في درجات القرب والبعد من