المَسجِدَ فَدَخَلتُهُ ، فَما وَجَدتُ فيهِ إلّاسَيِّدي عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ عليهما السلام قائِماً « 1 » يُصَلّي صَلاةَ الفَجرِ وَحدَهُ ، فَوَقَفتُ وصَلَّيتُ بِصَلاتِهِ ، فَلَمّا أن فَرَغَ مِن صَلاتِهِ سَجَدَ سَجدَةَ الشُّكرِ .
ثُمَّ إنَّهُ جَلَسَ يَدعو وجَعَلتُ اؤَمِّنُ عَلى دُعائِهِ ، فَما أتى إلى آخِرِ دُعائِهِ حَتّى بَزَغَتِ الشَّمسُ ، فَوَثَبَ قائِماً عَلى قَدَمَيهِ تُجاهَ القِبلَةِ وتُجاهَ قَبرِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله .
ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَ يَدَيهِ حَتّى صارَتا بِإِزاءِ وَجهِهِ وقالَ :
إلهي وسَيِّدي أنتَ فَطَرتَني وَابتَدَأتَ خَلقي لا لِحاجَةٍ مِنكَ إلَيَّ بَل تَفَضُّلًا مِنكَ عَلَيَّ ، وقَدَّرتَ لي أجَلًا ورِزقاً لا أتَعَدّاهُما ولايَنقُصُني أحَدٌ مِنهُما شَيئاً ، وكَنَفتَني « 2 » منِكَ بِأَنواعِ النِّعَمِ وَالكِفايَةِ طِفلًا وناشِئاً ، مِن غَيرِ عَمَلٍ عَمِلتُهُ فَعَلِمتَهُ مِنّي فَجازَيتَني عَلَيهِ ، بَل كانَ ذلِكَ مِنكَ تَطَوُّلًا عَلَيَّ وَامتِناناً ، فَلَمّا بَلَغتَ بي أجَلَ الكِتابِ مِن عِلمِكَ بي ووَفَّقتَني لِمَعرِفَةِ وَحدانِيَّتِكَ وَالإِقرارِ بِرُبوبِيَّتِكَ ، فَوَحَّدتُكَ مُخلِصاً لَم أدعُ لَكَ شَريكاً في مُلكِكَ ، ولا مُعيناً عَلى قُدرَتِكَ ، ولَم أنسِب إلَيكَ صاحِبَةً ولا وَلَداً .
فَلَمّا بَلَغتَ بي تَناهِي الرَّحمَةِ مِنكَ عَلَيَّ ، مَنَنتَ بِمَن هَدَيتَني بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ ، وَاستَنقَذتَني بِهِ مِنَ الهَلَكَةِ ، وَاستَخلَصتَني بِهِ مِنَ الحَيرَةِ وفَكَكتَني بِهِ مِنَ الجَهالَةِ ، وهُوَ حَبيبُكَ ونَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله ، أزلَفُ « 3 » خَلقِكَ عِندَكَ وأَكرَمُهُم مَنزِلَةً لَدَيكَ ، فَشَهِدتُ مَعَهُ بِالوَحدانِيَّةِ وأَقرَرتُ لَكَ بِالرُّبوبِيَّةِ وَالرِّسالَةِ ، وأَوجَبتَ لَهُ عَلَيَّ الطّاعَةَ ، فَأَطَعتُهُ كَما أمَرتَ وصَدَّقتُهُ فيما حَتَمتَ ، وخَصَصتَهُ بِالكِتابِ المُنزَلِ عَلَيهِ وَالسَّبعِ المَثانِي المُوحاةِ إلَيهِ ، وأَسمَيتَهُ القُرآنَ وأَكنَيتَهُ الفُرقانَ العَظيمَ .
فَقُلتَ جَلَّ اسمُكَ :
« وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ »
. « 4 » وقُلتَ - جَلَّ
هامش
( 1 ) . في المصدر : « قائم » ، وما أثبتناه من بحار الأنوار .
( 2 ) . كَنَفه : حاطَهُ ( القاموس المحيط : ج 3 ص 192 ) .
( 3 ) . الزُلفة والزُلفى : القربة والمنزلة ( الصحاح : ج 4 ص 1370 ) .
( 4 ) . الحِجر : 87 .