الهلكة ، أي أنا آخذ برحمتك ومتعلّق بها ؛ وذلك لأنّك « تصيب برحمتك من تشاء » والباء للإلصاق ، أي تنزل رحمتك على من تشاء ، قال سبحانه :
« نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ »
، « 1 » أي تعلّق رجائي في الخلاص من الهلكة في الدارين أن تصيبني برحمتك ، قال الراغب : « الصوب الإصابة ، يقال : صابه وأصابه ، وجعل الصوب نزول المطر . . . قال بعضهم : الإصابة في الخير اعتباراً بالصوب أي بالمطر ، وفي الشرّ اعتباراً بإصابة السهم ، وكلاهما يرجعان إلى أصل » ، « 2 » ويمكن أن تكون الباء للسببية ، أي تصيب بسبب رحمتك الخير من تشاء ، فيكون المفعول مقدّراً .
« وتهدي بكرامتك من تحبّ » قال الراغب : « الكرم إذا وُصِف اللَّه تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر ، نحو قوله : إنّ ربّي غني كريم ، وإذا وُصِف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة الّتي تظهر منه ، ولا يقال هو كريم حتّى يظهر ذلك منه ، قال بعض العلماء : الكرم كالحرّية ، إلّاأنّ الحريّة قد تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة ، والكرم لا يقال إلّافي المحاسن الكبيرة » « 3 » ؛ يعني تهدي من تحبّ بكرمك وفعلك الجميل الكريم .
والهداية كما قال الراغب : « دلالة بلطف ، ومنه الهدية . . . وهداية اللَّه تعالى على أربعة أوجه :
الأوّل : الهداية الّتي عمّ بجنسها كلّ مكلّف ، من العقل والفطنة والمعارف الضروريّة الّتي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه على حسب احتماله ، كما قال :
« رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » .
« 4 » الثاني : الهداية الّتي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك ، وهو المقصود بقوله تعالى :
« وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا » .
« 5 » الثالث : التوفيق الذي يختصّ به ممن اهتدى ، وهو المعني بقوله تعالى :
« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً » .
« 6 »
هامش
( 1 ) . يوسف : 57 .
( 2 ) . مفردات ألفاظ القرآن : ص 288 .
( 3 ) . مفردات ألفاظ القرآن : ص 428 .
( 4 ) . طه : 50 .
( 5 ) . الأنبياء : 73 .
( 6 ) . محمّد : 17 .