لأنّه قد تكون من غير تعمّد ، والإثم لا يكون إلّابالتعمّد ، وقال الراغب : « الخطيئة والسيّئة يتقاربان ، لكنّ الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه ، بل يكون القصد سبباً لتولّد ذلك الفعل منه ، كمن يرمي صيداً فأصاب إنساناً ، أو شرب مسكراً فجنى جناية في سكره . والسبب سببان : سبب محظور فعله كشرب المسكر وما يتولّد منه غير متجافٍ عنه ، وسبب غير محظور كرمي الصيد » ، قال تعالى :
« وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ »
، « 1 » وقال صلى الله عليه وآله : «
رُفع عن أُمّتي الخطأ »
،
« وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً »
« 2 » فالخطيئة هنا هي الّتي لا تكون عن قصد إلى فعله ، وقال تعالى :
« وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا * مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ »
« 3 »
« إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا »
، « 4 » فهي المقصود إليها ، « 5 » ولكن خطيئة عرضت ، أي بجميع أقسامها .
« وسوّلت لي نفسي » سوّل والتسويل : تزيين النفس لما تحرص عليه ، هذا منشأ آخر .
« وغلبني هواي » أي غلب هواه على عقله .
« وأعانني عليها شقوتي » أي أعانني على الخطيئة شقوتي ، والشقاوة خلاف السعادة ، قال سبحانه :
« فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى »
، « 6 » وقال :
« غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا » .
« 7 » «
وغرّني سترك المرخى عليّ
» ، لعلّه يريد بذلك أنّ العصيان صدر عنه من دون إنكار وجحود واستخفاف للأمر ، وتعرّض للعقوبة وإهانة للوعيد ، فمن أجل ذلك لعلّه يشمله الرحمة الواسعة والعفو الإلهي .
إن قلت : الغرور بستر اللَّه تعالى لا ينافي التعرّض للعقوبة ؛ لأنّ ستره تعالى أمان من الفضيحة دون العقاب .
قلت : إذا ستر اللَّه عبده رحمة منه يرجي منه العفو أيضاً .
هامش
( 1 ) . الأحزاب : 5 .
( 2 ) . النساء : 112 .
( 3 ) . نوح : 24 - 25 .
( 4 ) . الشعراء : 49 .
( 5 ) . مفردات ألفاظ القرآن : 151 .
( 6 ) . طه : 12 .
( 7 ) . المؤمنون : 106 .