وكانَ لِاشتِراكِهِ الفَعّالِ في حَربِ الجَمَلِ ، وتَصَدّيهِ لِقِيادَةِ الخَيّالَةِ في جَيشِ الإِمامِ عليه السلام مَظهَرٌ عَظيمٌ . كَما تَوَلّى في صِفّينَ قِيادَةَ رَجّالَةِ الكوفَةِ وَالقُرّاء . تَحَدَّثَ مَعَ عَمرِو بنِ العاصِ وأمثالِهِ مِن مَناوِئِي الإِمامِ عليه السلام في غَيرِ مَوطِنٍ ، وكَشَفَ الحَقَّ بِمَنطِقِهِ البَليغِ وَاستِدلالاتِهِ الرَّصينَةِ .
وفي صِفّينَ استُشهِدَ هذَا الصَّحابِيُّ الجَليلُ وَالنَّموذَجُ المُتَأَلِّقُ ، فَتَحَقَّقَت بِذلِكَ النُّبوءَةُ العَظيمَةُ لِرَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ؛ إذ كانَ قَد خاطَبَهُ قائِلًا :
تَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ . وكانَ لَهُ مِنَ العُمُرِ إبّانَ استِشهادِهِ ثَلاثٌ وتِسعونَ سَنَةً .
ذكر الكامل في التاريخ أنّه خَرَجَ عَمّارُ بنُ ياسِرٍ عَلَى النّاسِ ، فَقالَ :
اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعلَمُ أنّي لَو أعلَمُ أنَّ رِضاكَ في أن أقذِفَ بِنَفسي في هذَا البَحرِ لَفَعَلتُهُ . اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعلَمُ أنّي لَو أعلَمُ أنَّ رِضاكَ في أن أضَعَ ظُبَةَ « 1 » سَيفي في بَطني ، ثُمَّ أنحَنِيَ عَلَيها حَتّى تَخرُجَ مِن ظَهري لَفَعَلتُهُ . وإنّي لا أعلَمُ اليَومَ عَمَلًا هُوَ أرضى لَكَ مِن جِهادِ هؤُلاءِ الفاسِقينَ ، ولَو أعلَمُ عَمَلًا هُوَ أرضى لَكَ مِنهُ لَفَعَلتُهُ .
وَاللَّهِ إِنّي لَأَرى قَوماً لَيَضرِبُنَّكُم ضَرباً يَرتابُ مِنهُ المُبطِلونَ ، وَايمُ اللَّهِ لَو ضَرَبونا حَتّى يَبلُغوا بِنا سَعَفاتِ هَجَرَ ، لَعَلِمتُ أنّا عَلَى الحَقِّ وأنَّهُم عَلَى الباطِلِ .
ثُمَّ قالَ : مَن يَبتَغي رِضوانَ اللَّهِ رَبِّهِ ولا يَرجِعُ إلى مالٍ ولا وَلَدٍ ؟ فَأَتاهُ عِصابَةٌ ، فَقالَ : اقصُدوا بِنا هؤُلاءِ القَومَ الَّذينَ يَطلُبونَ دَمَ عُثمانَ ، وَاللَّهِ ما أرادُوا الطَّلَبَ بِدَمِهِ ولكِنَّهُم ذاقُوا الدُّنيا وَاستَحَبّوها ، وعَلِموا أنَّ الحَقَّ إذا لَزِمَهُم حالَ بَينَهُم وبَينَ ما يَتَمَرَّغونَ فيهِ مِنها ، ولَم يَكُن لَهُم سابِقَةٌ
هامش
( 1 ) . ظُبَة السيف : طرفه ( النهاية : ج 3 ص 156 ) .