تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الحكمة للشباب — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
المُصطَنَعَةِ ، وقَدَحَ فِي الخَليفَةِ وتَوجيهِ كَعبِ الأَحبارِ لِأَعمالِهِ ومُمارَساتِهِ . فَقامَ الخَليفَةُ بِنَفيِ صَوتِ العَدالَةِ هذا إلَى الشّامِ الَّتي كانَت حَديثَةَ عَهدٍ بِالإِسلامِ ، غَيرَ مُلِمَّةٍ بِثَقافَتِهِ . ولَم يُطِقهُ مُعاوِيَةُ أيضاً ؛ إذ كانَ يَعيشُ فِي الشّامِ كَالمُلوكِ ، ويَفعَلُ ما يَفعَلُهُ القَياصِرَةُ ، ضارِباً بِأَحكامِ الإِسلامِ عَرضَ الجِدارِ ، فَأَقَضَّت صَيحاتُ أبي ذَرٍّ مَضجَعَهُ . فَكَتَبَ إلى عُثمانَ يُخبِرُهُ بِاضطِرابِ الشّامِ عَلَيهِ إذا بَقِيَ فيها أبو ذَرٍّ ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ إلَى المَدينَةِ ، وأرجَعوهُ إلَيها عَلى أسوَا حالٍ . وقَدِمَ أبو ذَرٍّ المَدينَةَ ، لكِن لا سِياسَةُ عُثمانَ تَغَيَّرَت ، ولا مَوقِفُ أبي ذَرٍّ مِنهُ ، فَالاحتِجاجُ كانَ قائِماً ، وَالصَّيحاتُ مُستَمِرَّةً ، وقَولُ الحَقِّ مُتَواصِلًا ، وكَشفُ المَساوِئِ لَم يَتَوَقَّف . ولَمّا لَم يُجدِ التَّرغيبُ وَالتَّرهيبُ مَعَهُ ، غَيَّرَتِ الحُكومَةُ اسلوبَها مِنهُ ، وما هُوَ إلّاالإِبعادُ ، لكِنَّهُ هذِهِ المَرَّةَ إلَى الرَّبَذَةِ ، وهِيَ صَحراءُ قاحِلَةٌ حارِقَةٌ ، وأصدَرَ عُثمانُ تَعاليمَهُ بِمَنعِ مُشايَعَتِهِ . ولَم يَتَحَمَّل أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام هذِهِ التَّعاليمَ الجائِرَةَ ، فَخَرَجَ مَعَ أبنائِهِ وعَدَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ لِتَوديعِهِ . ولَهُ كَلامٌ عَظيمٌ خاطَبَهُ بِهِ وبَيَّنَ فيهِ ظُلامَتَهُ . وتَكَلَّمَ مَن كانَ مَعَهُ أيضاً لِيَعلَمَ النّاسُ أنَّ الَّذي أبعَدَ هذَا الصَّحابِيَّ الجَليلَ إلَى الرَّبَذَةِ هُوَ قَولُ الحَقِّ ومُقارَعَةُ الظُّلمِ لا غَيرُها . وكانَ إبعادُ أبي ذَرٍّ أحَدَ مُمَهِّداتِ الثَّورَةِ عَلى عُثمانَ . وذَهَبَ هذَا الرَّجُلُ العَظيمُ إلَى الرَّبَذَةِ رَضِيَّ الضَّميرِ ؛ لِأَنَّهُ لَم يَتَنَصَّل عَن مَسؤولِيَّتِهِ في قَولِ الحَقِّ ، لكِنَّ قَلبَهُ كانَ مَليئاً بِالأَ لَمِ ؛ إذ تُرِكَ وَحدَهُ ، وفُصِلَ عَن مَرقَدِ حَبيبِهِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله .