وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد من الارتياب والشكّ الّذي يمحوه استكشاف الحال بالاستجواب أو العتاب ، بل قد يصل إلى أكثر من ذلك من الإضرار بالأنفس والأموال .
أمّا ما كان يصيب الشريف المرتضى قدس سره من فتن العامّة وأمر الطغام ، فشئ ليس بالأمر اليسير استقصاؤه ، ويحدّثنا التاريخ أيضاً : عن استفحال أمر العيارين وكبسهم لدور الناس نهاراً ، وفي اللّيل بالمشاعل والموكبيات ، وكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره ويستخرجونها منه بالضرب ، كما يفعل المصادرون ، ولا يجد المستغيث مغيثاً مع القتل والنهب ، حتّى أحرقت دار الشريف المرتضى قدس سره على الصراة ، وقلع هو باقيها ، وانتقل إلى درب جميل . « 1 »
كما نجد قبل ذلك في حوادث سنة ( 422 ه ) إنّ دار الشريف المرتضى قدس سره تنقب فيخرج منها مرتاعاً منزعجاً ، حتّى جاد جيرانه من الأتراك ، فدافعوا عنه وعن حرمه ، وأحرقت سميريتيه على أثر فتن كانت تحدث بين السنّة والشيعة . « 2 »
وهكذا نجد السيّد المرتضى قدس سره يموج في خضم زاخر من تلك الأحداث والفتن ، الّتي لا يبتلي بها إلّارؤساء القوم وعلّيتهم ، هذا إذا بأخت آراء الخلفاء ، وسفهت أحلام الملوك ، وأساء الحاكمون استعمال السلطة ، واختل الأمن ، وأُخذ البريء بذنب المسئ ، وسقطت هيبة السلطان ؛ لتفريطه في أمور الرعية ، وانهمك أرباب المملكة وولاة الأمر باللّذات الشخصية ، وارتفعت مراقبة الدّين من قلوب المؤمنين ، فلا مُحاسَب ولا مُحاسِب ، فالأمر منذر حينذاك بخطر وشرّ عميم .
ومع كلّ هذا كان المرتضى رحمه الله في ذلك العصر المشحون بالفتن والشَّغب ، والهمّ والنصب لا يخلو من ظرف ودعابة مع أصدقائه ومعاشريه بما لا يخرج عن حدود
هامش
( 1 ) . المنتظم : ج 8 ص 22 .
( 2 ) . المنتظم : ج 8 ص 55 .