كلّ هذا في السند ووضوحه ؛ ولذلك لا يضع القاضي عبدالجبّار بصمات الاتهام عليه ، وإنّما يرده من جهة أخرى دلّت على تمحله في نقض الخبر ، وهو الدخول من طريق : أنّ الخبر لا يتناول إلّامنزلة ثابتة منه ، ولا يدخل تحته منزلة مقدّرة ؛ لأنّ المقدر ليس بحاصل ، ولا يجوز أن يدخل تحت الكلام ما لم يحصل لهارون من المنزلة البتة ، وقد علمنا أنّه لم تحصل له الخلافة بعده ، فيجب ألّايدخل ذلك تحت الخبر . « 1 »
بهذه المقدرة الجدلية استطاع القاضي عبدالجبّار المعتزلي أن يتغلّب على سطوة الخبر وجلائه ، ولكن الشريف المرتضى قدس سره يرد على مزاعمه قائلًا : « يقال له . . . ما نراك ذكرت إلّاما يجري مجرى الدعوى ، وما أنكرت من أن يوصف المقدّر بالمنزلة إذا كان سبب استحقاقه وجوبه حاصلًا ، وليس يخرج بكونه مقدراً من أن يكون معروفاً يصحّ أن يشار إليه ، ويشبّه به غيره ؛ لأنّه إذا صحّ وكان مع كونه مقدوراً معلوماً حصوله ووجوبه عند وجود شرطه ، فالإشارة إليه صحيحة والتعريف فيه حاصل » . « 2 »
ثمّ يأتي الشريف المرتضى قدس سره بمثالٍ حسّيٍّ مقرّبٍ للفكرة ، ومؤنسٍ لدعواه هذه الّتي ردّ بها القاضي عبدالجبّار ، ولا يجعل وفاة هارون عليه السلام خدشاً في استحقاق الإمام علي عليه السلام الإمامة الكبرى بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله . « 3 »
ثمّ يقول الشريف المرتضى قدس سره : إنّ هارون وإن لم يكن خليفة لموسى بعد وفاته فقد دللنا على أنّه لو بقي لخلّفه في أمته ، وأنّ هذه المنزلة وإن كانت مقدرة يصحّ أن تعدّ في منازله ، وأنّ المقدّر لو تسامحنا بأنّه لا توصف المنزلة ، لكان لابدَّ من أن يوصف ما هو عليه من استحقاق الخلافة بعده بأنّه منزلة ؛ لأنّ التقدير وإن كان في
هامش
( 1 ) . المغني في أبواب التوحيد والعدل ( القسم الأوّل ) : ج 20 ص 159 .
( 2 ) . الشافي في الإمامة : ج 3 ص 20 .
( 3 ) . المصدر السابق : ص 24 .