زيادة على ذلك : أنّ الرواية الأولى تجعل الداخل الأوّل على الوزير هو الشريف الرضي ، بينما الرواية الثانية تجعله المرتضى .
هذا ما يشير إمّا إلى اختلاق الرواية ووضعها من الأساس ، أو إلى تحريفها ، أو المبالغة فيها على أقرب الاحتمالات ، لما سنوضحه قريباً .
والشريف المرتضى قدس سره في سعة عن التوسّل بهذه الوسائل الركيكة الّتي لا تناسب منزلته ومقامه لدى الوزير ولدى الخلفاء أنفسهم ؛ لرفع هذه الضريبة اليسيرة ، وذلك لما رزق من عزّة في النفس ، وحظّ وافر من الجاه ؛ زيادة على النعمة والثراء المصحوب بالبذل والسخاء ، الّذي دلّتنا عليه سيرته الحميدة ، وكرمه المعروف ، وبذله الفذّ ، حتّى لِيم على كثرة الإنفاق والعطاء مراراً ، فقال في ذلك مجيباً لهم بقصائد مذكورة في ديوانه نذكر منها على سبيل الشاهد قوله :
دعي منظري إن لم أكن لك رائعاً * ولا تنظري إلّاإلى حسن مخبري
فإنّي وخير القول ما كان صادقاً * لدى الفخر سبّاق إلى كل مفخر
وأيضاً :
واعلم أنّ الدهر يعبث صرفه * بما شاء من مال البخيل المقتر
وأيضاً :
عذلت على تبذير مالي وهل ترى * نجمع إلّاللجؤور المبذر
أفرقه من قبل أن حال دونه * رحيلي عنه بالحمام المقدر
مضى قيصر من بعد كسرى وخليا * التلاعب في أموال كسرى وقيصر
وغير ذلك ممّا سيأتي ذكره .
وقد استفاض عنه إنفاقه على مدرسته العلمية الّتي تعهد بكفاية طلابها مؤونة ومعاشاً ، حتّى أنّه وقف قرية من قراه تصرف مواردها على قراطيس الفقهاء