تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح العلوم — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
حين صدور الكفر منهم ، لا بد من أن يكونوا على إحدى الحالين : إما عالمين باللّه ، وإما جاهلين به ، فلا ثالثة ، فإذا قيل لهم :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وقد علمت أن ( كيف ) للسؤال عن الحال ، وللكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع وبالجهل به ، انساق إلى ذلك فأفاد : أفي حال العلم باللّه تكفرون ؟ أم في حال الجهل به ؟ ثم إذا قيد :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
بقوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
وصار المعنى : كيف تكفرون باللّه ، والحال حال علم بهذه القصة ، وهي أن كنتم أمواتا فصرتم أحياء ، وسيكون كذا وكذا ، صير الكفر أبعد شيء عن العاقل ، فصار وجوده منه مظنة التعجب . ووجه بعده ، هو أن هذه الحالة تأبى أن لا يكون للعاقل علم بأن له صانعا قادرا ، عالما حيّا ، سميعا بصيرا ، موجودا غنيّا في جميع ذلك عن سواه ، قديما غير جسم ولا عرض ، حكيما خالقا ، منعما مكلفا ، مرسلا للرسل ، باعثا مثيبا معاقبا ، وعلمه بأن له هذا الصانع يأبى أن يكفر ، وصدور الفعل عن القادر ، مع الصارف القوي ، مظنة تعجب وتعجيب ، وإنكار وتوبيخ ، فصح أن يكون قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
إلى آخر الآية ، تعجبا وتعجيبا ، وإنكارا وتوبيخا ، وكذلك يقال : أين مغيثك ؟ للتوبيخ والتقريع والإنكار ، حال تذليل المخاطب ، قال تعالى :
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
« 1 » توبيخا للمخاطبين وتقريعا لهم ؛ لكونه سؤالا في وقت الحاجة إلى الإغاثة عمن كان يدعى له أنه يغيث ، وقال :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
« 2 » للتنبيه على الضلال ، ويقال : أنّى تعتمد على خائن ، للتعجب والتعجيب والإنكار ، قال اللّه تعالى :
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
« 3 » إنكارا وتوبيخا وقال :
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ
« 4 » استبعادا لذكراه ، ويقال : متى قلت هذا ؟ للجحد والإنكار ، ومتى تصلح شأني ؟ للاستبطاء .
هامش
( 1 ) سورة القصص ، الآيات : 62 و 74 . ( 2 ) سورة التكوير ، الآية 26 . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : 95 . ( 4 ) سورة الدخان ، الآية 13 .
مفتاح العلوم — صفحة 425 | عبد الحميد هنداوي / يوسف بن أبي بكر السكاكي