تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل التفسير — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
حفظا في الصدور ، أو تدوينا في القراطيس - وقد اهتموا بحفظ اشعار الجاهليّة وخطبها ، فكيف لم يكن يهتمون بأمر الكتاب العزيز الّذى عرّضوا أنفسهم للقتل في نشر دعوته ، واعلان احكامه ، وهجروا في سبيله أوطانهم ، وبذلوا أموالهم ، واعرضوا عن نسائهم وأطفالهم ، وهل يحتمل عاقل مع ذلك كلّه عدم اعتنائهم بالقرآن ، حتى يضيع بين الناس ، أو يحتاج في اثباته إلى شهادة شاهدين . على أن روايات الثقلين دالة على بطلان هذا الاحتمال ، فان قوله عليه السّلام : « انى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي » لا يصح إذا كان بعض القرآن ضائعا في عصره ، فان المتروك - حينئذ - يكون بعض الكتاب لا جميعه ، بل وفي هذه الروايات دلالة صريحة على تدوين القرآن وجمعه في زمان النبي ، لان الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرقات ، ولا على المحفوظ في الصدور . وامّا التقدير الثاني : الذي يرجع إلى انّهما حرّفا القرآن عمدا في الآيات التي لا تمسّ بالزعامة والخلافة فهو بعيد في نفسه ، بل مقطوع العدم ، ضرورة ان الخلافة كانت مبتنية على السّياسة ، واظهار الاهتمام بأمر الدين ، وحفظ القرآن الذي كان موردا لاهتمام المسلمين ، وهلّا احتج بذلك أحد الممتنعين عن بيعتهما ، المعترضين على أبى بكر في امر الخلافة ، ولم يذكر ذلك علىّ عليه السّلام في خطبته الشقشقية - المعروفة - وغيرها . وامّا التقدير الثالث : الذي يرجع إلى وقوع التحريف منهما عمدا في الآيات الواردة في موضوع الخلافة فهو أيضا مقطوع العدم ، فإنّ أمير المؤمنين عليه السّلام والصديقة الطاهرة - سلام اللّه عليهما - وجماعة من الصّحابة قد عارضوهما في امر الخلافة ، واحتجوا عليهما بما سمعوا من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واستشهدوا على ذلك من شهد من المهاجرين والأنصار ، واحتجوا عليه بحديث الغدير وغيره ، ولو كان في القرآن شئ يمسّ بزعامتهم لكان أحق بالذكر في مقام الاحتجاج ، واحرى بالاستشهاد عليه من جميع المسلمين ، مع أنه لم يقع ذلك بوجه كما يظهر من كتاب « الاحتجاج »
مدخل التفسير — صفحة 226 | الشيخ فاضل اللنكراني