واما الاحتمال الثالث : الذي مرجعه إلى دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء ، فلم يدّعها أحد فيما نعلم ، غير انّها نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف ، فادّعى ان الحجّاج لما قام بنصرة بنى اميّة اسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم وزاد فيه ما لم يكن منه ، وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر والشّام والحرمين والبصرة والكوفة ، وانّ القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف ، وامّا المصاحف الأخرى فقد جمعها ولم يبق منها شيئا ولا نسخة واحدة .
أقول : ولعلّ من هذه الجهة قول بعض القائلين بالتحريف في آية
« لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ »
في سورة القدر أن أصلها كان هكذا : « ليلة القدر خير من الف شهر يملكها بنو اميّة وليس فيها ليلة القدر » مع أن ملاحظة مقدار آيات تلك السورة وقصور معنى هذه الآية الاصليّة ، بل عدم ارتباط موضوع ليلة القدر بأمر خلافتهم يكفي في القطع بخلاف ذلك ، وان لم يكن هنا دليل على عدم التّحريف ، فضلا عن الأدلة الكثيرة المتقدمة الدالة على ذلك بأقوى دلالة .
وكيف كان ، فالدليل على بطلان الاحتمال الثالث ان الحجّاج كان واحدا من ولاة بنى اميّة ، وهو اقصر باعا ، وأصغر قدرا ، واقلّ وزنا من أن ينال القرآن بشيء ، بل وهو أحقر من أن يغيّر شيئا من الفروع الاسلامية ، فكيف في امكانه ان يغيّر ما هو أساس الدين ، وقوام الشريعة ، ومن اين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الاسلام وغيرها ، مع انتشار القرآن فيها ، وعلى تقديره ، وفرض وقوعه .
فكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرّخ في تاريخه ، ولا ناقد في نقده ، مع ما فيه من الأهميّة ، وكثرة الدّواعى إلى نقله ، وكيف اغضى المسلمون عن هذه الجناية - التي لم يكن مثلها جناية - بعد انتهاء امر الحجاج ، وانقضاء عهده ،
هامش
واضحا ضروريا ، وعلى تقدير العدم فالمبارزة لأجله - حتى مع البلوغ إلى مرتبة بذل الخلافة والاعراض عنها - كانت لائقة . فالانصاف ان هذا الدليل كاف لدفع أصل التحريف وابطال القول به ، بشرط الخلو عن التعصب ، وعدم الجمود على خلاف ادراك العقل .