الأمر الثالث : حكم العقل
لا اشكال في أن حكم العقل القطعي ، وادراكه الجزمي من الأمور التي هي أصول التفسير ، ويبتنى هو عليها ، فإذا حكم العقل - كذلك - بخلاف ظاهر الكتاب في مورد لا محيص عن الالتزام به ، وعدم الاخذ بذلك الظاهر ، ضرورة ان أساس حجية الكتاب ، وكونه معجزة كاشفة عن صدق الآتي به ، انّما هو العقل الحاكم بكونه معجزة خارقة للعادة البشرية ، ولم يؤت ، ولن يؤتى بمثلها ، فإنه الرسول الباطني الّذي لا مجال لمخالفة حكمه ووحيه .
ففي الحقيقة يكون حكمه بخلاف الظاهر وادراكه الجزمي لذلك بمنزلة قرينة لفظيّة متّصلة ، موجبة للصرف عن المعني الحقيقي ، وانعقاد الظهور في المعني المجازي ، فان الظهور الّذى هو حجة ليس المراد منه ما يختص بالمعني الحقيقي ، ضرورة ان اصالة الحقيقة قسم من اصالة الظهور ، الجارية في جميع موارد انعقاد الظهور ، سواء كان ظهورا في المعني الحقيقي - كما فيما إذا كان اللفظ الموضوع خاليا عن القرينة على الخلاف مطلقا - أو ظهورا في المعني المجازي - كما فيما إذا كان مقرونا بقرينة على خلاف المعني الحقيقي .
فكما ان قوله : « رأيت أسدا » ظاهر في المعني الحقيقي ، فكذلك قوله :
« رأيت أسدا يرمى » ظاهر في المعنى المجازى ضرورة ان المتفاهم العرفي منه هو الرجل الشجاع ، من دون فرق بين ان نقول بأنه ليس له الّا ظهور واحد ينعقد للجملة بعد تمامها ، نظرا إلى انّ ظهور « أسد » في معناه الحقيقي متوقف على تمامية الجملة ، وخلوّها عن القرينة على الخلاف .