وفي صورة وجود تلك القرينة لا ظهور له أصلا ، بل الظهور ينعقد ابتداء في خصوص المعنى المجازي ، أو نقول بوجود ظهورين : ظهور لفظ « الأسد » في معناه الحقيقي وظهور « يرمى » في المعنى المجازي ، غاية الأمر كون الثاني أقوى ، ولأجله يتقدم على الظهور الاوّل ، وفي الحقيقة كل من اللفظين ظاهر في معناه الحقيقي ، لكن يكون ظهور القرينة فيه ، الّذي يكون معنى مجازيّا بالإضافة إلى المعنى الاوّل أقوى واتمّ ، فإنه على كلا القولين تكون الجملة ظاهرة في المعنى المجازي الّذي هو عبارة عن الرجل الشجاع .
وبالجملة : اصالة الظهور الراجعة إلى اصالة تطابق الإرادة الجدّية ، مع الإرادة الاستعمالية ، وكون المقصود الواقعي من الكلام هو ما يدل عليه ظاهر اللفظ جارية في كلا الصّورتين ، من دون ان يكون هناك تفاوت في البين ، وحينئذ فإذا حكم العقل في مورد بخلاف ما هو ظاهر لفظ الكتاب يكون حكمه بمنزلة قرينة قطعية متصلة ، موجبة لعدم انعقاد ظهور له واقعا ، الّا فيما حكم به العقل .
فقوله تعالى في سورة الفجر 33 :
« وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا »
وان كان ظهوره الابتدائي في كون الجائى هو الربّ بنفسه ، وهو يستلزم الجسميّة الممتنعة في حقه تعالى ، الّا ان حكم العقل القطعي باستحالة ذلك - لاستلزام التجسم للافتقار ، والاحتياج المنافي لوجوب الوجود ، لان المتصف به غنيّ بالذات - يوجب عدم انعقاد ظهور له في هذا المعنى ، وهو اتصاف الرّبّ بالمجيء .
وهكذا قوله تعالى في سورة طه 5 :
« الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى »
ومثله الآيات الظاهرة على خلاف حكم العقل .
فانقدح : حكم العقل ، مع كونه من الأمور الّتي هي أصول التفسير ، ولا مجال للاغماض عنه في استكشاف مراد اللّه تعالى من كتابه العزيز يكون مقدّما على الامرين ، الآخرين ، ولا موقع لهما معه ، امّا تقدمه على الظهور فلما عرفت من عدم انعقاده مع حكم العقل على الخلاف ، لأنه بمنزلة قرينة متصلة ، وامّا تقدّمه على الامر