تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل التفسير — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
والمقام نظير ما إذا اخبر واحد بدخول ملك عظيم في البلد ، مع كون دخوله فيه مما لا يخفى على أكثر أهله ، لاستلزامه - عادة - اطلاعهم وتهيئهم للاستقبال ونحوه من سائر الأمور الملازمة لدخوله كذلك ، ففي مثل ذلك يكون اخبار واحد فقط موجبا للقطع بكذبه أو اشتباهه ، لاستحالة اطّلاعه فقط - عادة - فكيف يكون الكتاب الذي هو الأساس للدين الاسلامي ، ولا بدّ من أن يرجع اليه إلى يوم القيامة كل من يريد الاخذ بالعقائد الصحيحة ، والملكات الفاضلة ، والأعمال الصالحة ، والدساتير العالية ، والاطلاع على القصص الماضية ، وحالات الأمم السالفة ، وغير ذلك من الشؤون والجهات التي يشتمل عليها الكتاب العزيز ، مما يكفى في ثبوته النقل بخبر الواحد ، وليس ذلك لأجل مجرّد كونه كلام اللّه تبارك وتعالى ، بل لأجل كونه كلام اللّه المتضمن للتحدى والاعجاز ، والهداية والارشاد ، واخراج جميع الناس من الظلمات إلى النور إلى يوم القيامة ، والّا فمجرد كلام اللّه تعالى إذا لم يكن متضمنا لما ذكر ، كالحديث القدسي لا يلزم ان يكون متواترا . فقد ظهر الفرق بين مثل الكتاب الذي ليس كمثله كتاب ، وبين كلام المعصوم - نبيّا كان أو اماما - الذي لا ينحصر طريق ثبوته بالتّواتر ، فان دليل حجيّة خبر الواحد الحاكي لكلام المعصوم انّما هو ناظر إلى لزوم ترتيب الآثار عليه ، والاخذ به في مقام العمل ، ولا يلزم فيه الاعتقاد بصدوره عنه ، وانّه كلامه ، لان الغرض مجرد تطبيق العمل في الخارج عليه ، لا صدوره واسناده اليه ، وهذا بخلاف كلام اللّه المنزل المقرون بالتّحدى والاعجاز ، ويكون هو الأساس للدين والأصل للهداية والميزان ، للخروج من ظلمات الجهل والانحراف إلى عالم نور العلم والمعرفة ، فإنه لا بد في مثل ذلك من وضوح كونه كلام اللّه ، وظهور صدوره عنه تبارك وتعالى . أضف إلى ذلك ان القرآن - كما مرّ في بحث الاعجاز مفصّلا - نزل في محيط البلاغة والفصاحة ، وكان واقعا في المرتبة الّتى عجز البلغاء عن النيل إليها ، والفصحاء عن الوصول إلى مثلها ، ولأجله خضع دونه البعض ، ونسب البعض الآخر اليه السّحر ،