ولاحت من بروج البدر بعدا * بدور مها تبرجها اكتنان
ففيه اشكال لان ترك المشبه لفظا أو تقدير أو اجزاء اسم المشبه به عليه يقتضى ان يكون هذا استعارة وذكر وجه الشبه يقتضى ان يكون تشبيها اى رأيت رجلا كالأسد في الشجاعة ولاحت من قصور مثل بروج البدر في البعد فبينهما تدافع كذا ذكره صدر الأفاضل في ضرام السقط والظاهر أن مثل هذا من باب التشبيه لان المراد بكون المشبه مقدرا أعم من أن يكون محذوفا جزء كلام كما في قوله تعالى
( صُمٌّ بُكْمٌ ) *
أو يكون في الكلام ما يقتضى تقريره كما في قولنا رأيت أسدا في الشجاعة بدليل انهم جعلوا الخيط الأسود في قوله تعالى
( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ )
تشبيها لان بيان الخيط الأبيض بالفجر قرينة على أن الخيط الأسود أيضا مبين سواد آخر الليل وابعد من ذلك ما يشعر به كلام صاحب الكشاف من أن قوله تعالى
( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ )
وقوله تعالى
( وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ )
من باب التشبيه المطوى فيه ذكر المشبه كما في الاستعارة وهو مشكل لان المشبه فيه ليس بمذكور ولا مقدر ويمكن التفصي عن هذا الاشكال بان الاستعارة تجب أن تكون مستعملة في غير ما وضع له وعلامته ان يصح وقوع اسم المشبه موقعه ولا يفوت الا المبالغة في التشبيه فيصح في نحو رأيت أسدا ان يقال رأيت رجلا شجاعا وهذا ليس كذلك على ما يظهر بالتأمل وكذا لا يصح ان يراد بالبحرين الموصوفين المؤمن والكافر لان قوله تعالى
( وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها )
ينبئ عن انه تعالى قصد التشبيه لا الاستعارة وأراد تفضيل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد يشارك العذب في منافع والكافر خلو عن المنفعة فهو في طريقة قوله تعالى
( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ )
ولخفاء ذلك ذهب كثير من الناس إلى أن الآيتين من قبيل الاستعارة وان صاحب الكشاف أوردهما مثالين للاستعارة ولا يخفى ضعفه على من تأمل لفظ الكشاف ( ودليل انها ) اى الاستعارة ( مجاز لغوى كونها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا لاعم منهما ) اختلفوا في ان الاستعارة مجاز لغوى أم عقلي فذهب الجمهور إلى أنه مجاز لغوى بمعنى انها لفظ استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة والدليل على ذلك ان الاستعارة