ومما ذكرنا يظهر أنه يمكن التمسك في عدم وجوب الأكثر بأصالة عدم وجوبه فإنها سليمة في هذا المقام عن المعارضة بأصالة عدم وجوب الأقل لأن وجوب الأقل معلوم تفصيلا فلا يجري فيه الأصل وتردد وجوبه بين الوجوب النفسي والغيري مع العلم التفصيلي لورود الخطاب التفصيلي بوجوبه بقوله
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وقوله
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
وقوله
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
وقوله
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
وغير ذلك من الخطابات المتضمنة للأمر بالأجزاء لا يوجب جريان أصالة عدم الوجوب وأصالة البراءة .
لكن الإنصاف أن التمسك بأصالة عدم وجوب الأكثر لا ينفع في المقام بل هو قليل الفائدة لأنه إن قصد به نفي أثر الوجوب الذي هو استحقاق العقاب بتركه فهو وإن كان غير معارض بأصالة عدم وجوب الأقل كما ذكرنا إلا أنك قد عرفت فيما تقدم في الشك في التكليف المستقل أن استصحاب عدم التكليف المستقل وجوبا أو تحريما لا ينفع في رفع استحقاق العقاب على الترك أو الفعل لأن عدم استحقاق العقاب ليس من آثار عدم الوجوب والحرمة الواقعيين حتى يحتاج إلى إحرازهما بالاستصحاب بل يكفي فيه عدم العلم بهما فمجرد الشك فيهما كاف في عدم استحقاق العقاب القاطع وقد أشرنا إلى ذلك عند التمسك في حرمة العمل بالظن بأصالة عدم حجيته وقلنا إن الشك في حجيته كاف في التحريم فلا يحتاج إلى إحراز عدمها بالأصل وإن قصد به نفي الآثار المترتبة على الوجوب النفسي المستقل فأصالة عدم هذا الوجوب في الأكثر معارضة بأصالة عدمه في الأقل فلا يبقى لهذا الأصل فائدة إلا في نفي ما عدا العقاب من الآثار المترتبة على مطلق الوجوب الشامل للنفسي والغيري .
ثم بما ذكرنا في منع جريان الدليل العقلي المتقدم في المتباينين فيما نحن فيه يقدر على منع سائر ما يتمسك به لوجوب الاحتياط في هذا المقام .
مثل استصحاب الاشتغال بعد الإتيان بالأقل وأن الاشتغال اليقيني يقتضي وجوب تحصيل اليقين بالبراءة .
ومثل أدلة اشتراك الغائبين مع الحاضرين في الأحكام المقتضية لاشتراكنا معاشر الغائبين مع الحاضرين العالمين بالمكلف به تفصيلا .
ومثل وجوب دفع الضرر وهو العقاب المحتمل قطعا وبعبارة أخرى وجوب المقدمة العلمية للواجب .
ومثل أن قصد القربة غير ممكن بالإتيان بالأقل لعدم العلم بمطلوبيته في ذاته فلا يجوز الاقتصار عليه