وقد يقال لأصحاب هذا القول أصحاب النشور والنفوذ ، وهما متقاربان لأن الفشو مفسّر بالانتشار ، كما في « القاموس » [ 20 ] . وبالجملة معناهما الخروج والدخول فمع تمكين هذين القولين لم تكن حركة كيفية ، فإنّ القائل بالأول يقول : « كل شيء في كل شيء [ 21 ] يكمن تارة ويبرز أخرى » .
شرح
وكان في المتقدمين من ينكرهما ( أي الاستحالة والكون ) معا كأنكساغورس وأصحابه القائلين بالخليط فإنّهم كانوا ينكرون التغيّر في الكيفية وفي الصورة ، ويزعمون أن الأركان الأربعة لا يوجد شيء منها صرفا بل هي مختلطة من تلك الطبائع ومن سائر الطبائع النوعيّة وإنما تسمّى بالغالب الظاهر منها ، ويعرض لها عند ملاقاة الغير أن يبرز منها ما كان كامنا فيها فيغلب ويظهر للحسّ بعد ما كان مغلوبا غائبا عنه لا على أنه حدث بل على أنه برز ويكمن فيها ما كان بارزا فيصير مغلوبا وغائبا بعد ما كان غالبا وظاهرا .
وبإزائهم قوم زعموا أن الظاهر ليس على سبيل بروز بل على سبيل نفوذ من غيره فيه كالماء مثلا فإنه إنما يتسخّن بنفوذ أجزاء نارية فيه من النار المجاورة له .
والمذهبان متقاربان فإنهما يشتركان في أن الماء مثلا لم يستحلّ حارّا لكنّ الحار نار تخالطه ، ويفترقان بأن أحدهما يرى أن النار برزت من داخل الماء ، والثاني يرى أنها وردت عليه من خارجه . وإنما دعاهم إلى ذلك الحكم بامتناع كون الشيء عن لا شيء ، وامتناع صيرورة شيء شيئا آخر » .
هذا ما أفاده المحقق المذكور في شرحه على الإشارات ، ولنا تعليقات مفيدة منيفة عليه فراجع الشرح المذكور المطبوع بتصحيحنا وتعليقنا عليه . ( ح . ح )
[ 20 ] القاموس المحيط ، الفيروزآبادي ، ص 1703 ، ط 2 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ( م . ط )
[ 21 ] أقول : الوجود على ما ذهب إليه العارفون بالتوحيد الصمدي الحقيقي مساوق للحق ، فهو على منظرهم الأعلى واحد بالوحدة الشخصية الصمدية ، ولا يخفى عليك أن أسماءه الحسنى وصفاته العليا عين حقيقة ذاته تعالى شأنه ، فلا جرم كان الوجود مع جميع أسمائه وصفاته في أي مظهر على سعة ذلك المظهر ، فالتوحيد الصمدي القرآني - كما نصّ به العلامة ابن الفناري في شرحه مصباح الأنس على مفتاح صدر الدين القونوي - ناطق بأن كل شيء فيه الوجود ففيه الوجود مع لوازمه فلك شيء فيه كل شيء ظهر أثره أم لا ( مصباح الأنس - ط 1 ، من الرحلي - ص 305 - س 3 ) . وكذلك قد نصّ به العلامة القيصري في شرحه على الفصّ اليونسي من فصوص الحكم : « أنّ لوازم الوجود موجودة في كلّ ما له وجود إلّا أنها ظاهرة الوجود في البعض وباطنة في الآخر » ( ط 1 ، من الحجري - ص 384 - العمود الأول - س 24 ) . ولذلك قلنا في النكتة 417 من كتابنا ألف نكتة ونكتة ، في تعليقاتنا على مصباح الأنس وشرح القيصري على الفصوص : « لا يبعد أن يكون مراد أصحاب البروز والكمون هذه اللطيفة النورية ثم حرّفت الكلمة فتدبّر . ( ح . ح )