التأثير والتأثر التدريجيان [ 5 ] ، فلمّا كان التدريج معتبرا في مفاهيمها لم يكن أن يكون حصولها بالتدريج [ 6 ] وإلّا لكان الحركة في الحركة [ 7 ] ولم يمكن الخروج عما فيه
شرح
أن يكون الانتقال من متى إلى متى آخر أمرا واقعا دفعة كالانتقال من سنة إلى سنة أو من شهر إلى شهر ، أو يشبه أن تكون حال متى كحال الإضافة في أن نفس متى لا ينتقل فيه عن شيء إلى شيء ، بل يكون الانتقال الأول في كيف أو كم ويكون الزمان لازما لذلك التغيّر فيعرض بسببه فيه التبدّل ، وأما ما لا تغيّر فيه فستعلم أنه ليس في الزمان فكيف تكون له حركة فيه . ( ح . ح )
[ 5 ] فإن المنتقل في التسخّن إلى التبرد مثلا لا يكون تسخّنه باقيا لأن التسخن توجه إلى السخونة ، والتبرد توجه إلى البرودة فيلزم التوجه في زمان واحد إلى الضدّين وهو محال ، وإذا لم يكن التسخن باقيا فالتبرّد لا يوجد إلّا بعد وقوف التسخن فبينهما زمان سكون لكونهما حركتين متضادتين فلا تكون هناك حركة من التسخن إلى التبرّد على الاستمرار ، وكذا الحال في التسخين والتبريد فتأمل . ( ح . ح )
[ 6 ] فالسخونة مثلا تحصل بالتدريج ، بخلاف تدريج السخونة وهو كالتسخين والتسخن . فمعنى كون ما يكون التدريج معتبرا في مفهومه دفعيا ، أنه لا يحصل بالتدريج ، وأيضا انتقال الموضوع إليه دفعيّ ، فإن زمان السكون وعدم التلبّس بالتدريج ليس زمان الانتقال ، بل زمان المنتقل منه . وزمان الحركة والتلبس بتدريج التأثير أو التأثر مثلا ليس زمان الانتقال أيضا ، بل زمان المنتقل إليه ، فالانتقال في الآن الذي نهاية زمان السكون ، وبداية زمان الحركة ، والتدريج فهو دفعي .
[ 7 ] ناظر إلى الفصل الثالث والعشرين من المسلك الثالث من الأسفار في تعيين أنّ أية مقولة من المقولات تقع فيها الحركة ، وأيتها لم تقع فيها ( ط 1 ، من الرحلي - ج 1 - ص 226 ) .
ونهدي إليك بعض ما في هذا الفصل مع إشارات منا إلى بيانه ، قال : « الحركة بعينها مقولة أن ينفعل إذ نسبت إلى القابل ، ومقولة أن يفعل إذا نسبت إلى الفاعل ، ولهذا يمتنع أن تقع الحركة في شيء منهما لأنها ( أي الحركة ) الخروج عن هيئة والترك لهيئة ، فهي ( أي الحركة ) يجب أن تكون خروجا عن هيئة قارة لأنها لو وقعت في هيئة غير قارة لما كان خروج عنها بل إمعان فيها ، وبالجملة معنى الحركة في مقولة عبارة عن أن يكون للمتحرك في كل آن فرد من تلك المقولة ، فلا بد لما تقع فيه الحركة من أفراد آنية بالقوة وليس لتينك المقولتين ( أي مقولة أن ينفعل ومقولة أن يفعل ) فرد آنيّ ( وأيضا معنى تينك المقولتين تجديد الفعل وتجدّده وهما لا يقعان إلا في الزمان ، ولو وقعا في الآن فلا بدّ حينئذ أن يقعا في زمان أيضا ) .
مثلا إن وقعت الحركة في التسخّن ( مقولة أن ينفعل ) يجب أن تكون إلى التبرّد ( بسبب الحركة ) فيلزم أن يكون الجسم في حالة تسخّنه متبرّدا مع أنه لم يخرج عن التسخن حتى يكون متحركا فيه وإن كان في أثناء حركته ترك التسخن فالحركة في غير مقولة أن ينفعل ؛ وكذا لا تمكن الحركة في مقولة متى ( إلى أن قال : ) فلم تبق من المقولات التي تتصور فيها الحركة إلا أربع عند الجمهور وخمس عندنا : الجوهر والكيف والكم والأين والوضع . . . »