وأما قراءة النحويّين بتشديد النّون وتخفيف الميم وقراءة الحرميّين بتخفيفيهما ف « إنّ » في الأولى على أصلها من التشديد ووجوب الإعمال ، وفي الثانية مخفّفة من الثقيلة ، وأعلمت على أحد الوجهين ، واللام من « لمّا » فيهما لام الابتداء ، وقيل : أو هي في قراءة التخفيف الفارقة بين « إن » النافية والمخفّفة من الثقيلة ، وليس كذلك ؛ لأن تلك إنما تكون عند تخفيف « إن » وإهمالها ، و « ما » زائدة للفصل بين اللامين كما زيدت الألف للفصل بين الهمزتين في نحو :
أَ أَنْذَرْتَهُمْ
[ البقرة : 6 ] ، وبين النونات في نحو : « اضربنانّ يا نسوة » ، وقيل : وليست موصولة بجملة القسم لأنها إنشائية ، وليس كذلك ، لأن الصّلة في المعنى جملة الجواب ، وإنما جملة القسم مسوقة لمجرّد التّوكيد ، ويشهد لذلك قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ
[ النساء : 72 ] لا يقال : لعل « من » نكرة أي : لفريق ليبطئن ؛ لأنّها حينئذ تكون موصوفة ، وجملة الصفة كجملة الصّلة في اشتراط الخبريّة .
وأما المركبة من كلمتين فكقوله [ من الكامل ] :
279 - لمّا رأيت أبا يزيد مقاتلا * أدع القتال وأشهد الهيجاء « 1 »
وهو لغز ، يقال فيه : أين جواب « لما » ؟ وبم انتصب أدع ؟ وجواب الأول أن الأصل « لن » ثم أدغمت النون في الميم للتقارب ، ووصلا خطّا للإلغاز ، وإنما حقّهما أن يكتبا منفصلين ، ونظيره في الإلغاز قوله [ من الخفيف ] :
280 - عافت الماء في الشّتاء ، فقلنا * برّديه تصادفيه سخينا « 2 »
فيقال : كيف يكون التّبريد سببا لمصادفته سخينا ؟ وجوابه أن الأصل « بل رديه » ثم كتب على لفظه للإلغاز ، وعن الثاني أن انتصابه ب « لن » و « ما » الظرفية وصلتها ظرف له فاصل بينه وبين « لن » للضرورة ؛ فيسأل حينئذ : كيف يجتمع قوله : « لن أدع القتال » مع قوله : « لن أشهد الهيجاء » ؟ فيجاب بأن « أشهد » ليس معطوفا على « أدع » ، بل نصبه ب « أن » مضمرة ، و « أن » والفعل عطف على القتال ، أي : لن أدع القتال وشهود الهيجاء على حد قول ميسون [ من الوافر ] :
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 233 ، والخصائص 2 / 411 ، وشرح الأشموني 3 / 552 .
( 2 ) البيت من البسيط ، وهو لابن مقبل في ديوانه ص 319 ، ولسان العرب 5 / 286 مادة ( وغر ) والتنبيه والإيضاح 2 / 223 ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 8 / 185 .