تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤

والثالث : التّحقيق ،

ذكره الكوفيّون والزجّاجي ، وأنشدوا عليه [ من الوافر ] :
104 - فأصبح بطن مكّة مقشعرّا * كأنّ الأرض ليس بها هشام « 1 »
أي : لأنّ الأرض ؛ إذ لا يكون تشبيها ، لأنه ليس في الأرض حقيقة . فإن قيل : فإن كانت للتحقيق فمن أين جاء معنى التعليل ؟ قلت : من جهة أن الكلام معها في المعنى جواب عن سؤال عن العلّة مقدّر ، ومثله :
اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
[ الحج : 1 ] . وأجيب بأمور ، أحدها : أن المراد بالظرفيّة الكون في بطنها ، لا الكون على ظهرها ، فالمعنى أنه كان ينبغي أن لا يقشعرّ بطن مكة مع دفن هشام فيه لأنه له كالغيث . الثاني : أنه يحتمل أن هشاما قد خلّف من يسدّ مسدّه ، فكأنه لم يمت . الثالث : أن الكاف للتعليل ، و « أنّ » للتوكيد ، فهما كلمتان لا كلمة ، ونظيره :
وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
[ القصص : 82 ] ، أي : أعجب لعدم فلاح الكافرين . والرابع : التقريب ، قاله الكوفيون ، وحملوا عليه « كأنك بالشتاء مقبل ، وكأنك بالفرج آت ، وكأنك بالدّنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل » وقول الحريري [ من الهزج ] :
105 - كأنّي بك تنحطّ * [ إلى اللحد وتنغط ] « 2 »
وقد اختلف في إعراب ذلك ؛ فقال الفارسي : الكاف حرف خطاب ، والباء زائدة في اسم « كأنّ » . وقال بعضهم : الكاف اسم « كأنّ » ، وفي المثال الأول حذف مضاف ، أي كأن زمانك مقبل بالشّتاء ، ولا حذف في « كأنك بالدنيا لم تكن » بل الجملة الفعليّة خبر ، والباء بمعنى « في » ، وهي متعلّقة ب « تكن » ، وفاعل « تكن » ضمير المخاطب . وقال ابن عصفور : الكاف والياء في « كأنك » و « كأنّي » زائدتان كافّتان ل « كأنّ » عن العمل كما تكفّها « ما » ، والباء زائدة في المبتدأ . وقال ابن عمرون : المتّصل ب « كأنّ » اسمها ، والظرف خبرها ، والجملة بعده حال ، بدليل قولهم : « كأنّك بالشّمس وقد طلعت » بالواو ، ورواية
هامش
( 1 ) البيت من البحر الوافر ، وهو للحارث بن خالد في ديوانه ص 93 ، والاشتقاق ص 101 ، وبلا نسبة في الدرر 2 / 163 ، وفي الجنى الداني ص 571 ، وشرح شواهد المغني 2 / 515 ، ولسان العرب 12 / 461 مادة ( قثم ) . ( 2 ) البيت من البحر الهزج ، انظر : خلاصته الأثر 4 / 250 .