تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
أما الأول فلدعوى حذف الجملة ، فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال : إنه أسهل منه ؛ لأن المتجوّز فيه على قولهم أقلّ لفظا ، مع أن في هذا التجوز تنبيها على أصالة شيء في شيء ، أي في أصالة الهمزة في التصدير ، وأما الثاني فلأنه غير ممكن في نحو
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ]
شرح
( أما الأول ) وهو التكلف ( فلدعوى حذف الجملة ) وفيه نظر لأن هذه الجملة معطوف عليها ، وحذف المعطوف عليه لقرينة جائز جملة كان أو غير جملة ، ولا تكلف فيه وقد يجاب بأن التكلف إنما جاء من قبل خصوصية واقعة قبل حذف المعطوف عليه ، وذلك لأن مثل هذا التركيب في القرآن واقع وغيره كثيرا ، ولم يصرح في شيء من صوره بهذا المحذوف فادعاء حذفه والحالة هذه تكلف . قال ابن مالك : المدعي لحذف شيء يصح المعنى بدونه لا تصح دعواه حتى يكون موضع ادعاء الحذف صالحا للثبوت ، ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف ، وما نحن بصدده يخالف ذلك فمن ثم جاء التكلف ، ( فإن قوبل ) هذا الوجه ( بتقديم بعض المعطوف ) الذي ارتكبه الجمهور حيث جعلوا الهمزة من جملة أجزاء المعطوف ، ولكنها قدمت على العاطف ، ولا شك أن هذا التقديم على خلاف الأصل ، كما أن الحذف كذلك ( فقد يقال : إنه ) أي : تقديم الهمزة ( أسهل ) من حذف الجملة ( لأن المتجوز فيه على قولهم ) أي : قول الجمهور ( أقل لفظا ) من المتجوز فيه على قول الحاذفين ، لأن هذا مفرد وذاك جملة ، وقد يعارض بأن هذا المفرد حرف والتجوز في الحروف قليل ( مع أن في هذا التجوز ) بتقديم الهمزة على مركزها الأصلي ( تنبيها على أصالة شيء في شيء أي أصالة الهمزة في التصدير ) والترجيح بهذا الوجه غير قوي فتأمله . ( وأما الثاني ) وهو عدم الاطراد ( فلأنه غير ممكن في نحو ) قوله تعالى :أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ[ الرعد : 33 ] ولذا قال ابن قاسم في « الجنى الداني » : وفيه نظر أما أولا فلا نسلم عدم الإمكان فيه إذ يجوز أن يجعل من مبتدأ خبره محذوف وهو لم يوحدوه ، وتجعل هذه الجملة معطوفة على جملة محذوفة تناسب المقام ، والتقدير : أهم ضالون فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت لم يوحدوه ، والهمزة للإنكار التوبيخي . وأما ثانيا فلأنه على تقدير عدم إمكانه فقد يقال : بأن ما تقوله الجماعة غير ممكن أيضا في قوله تعالى :أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ[ البقرة : 100 ] إذ لا مجال لعطفه على ما تقدم عليه ، وهو قوله تعالى :وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ 99[ البقرة : 99 ] فيتعين المصير إلى جعل الهمزة داخلة على معطوف عليه محذوف ، تقديره : أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا عهدا نبذه ، أي نقضه ورفضه ، وإنما قال فريق منهم لأن منهم من لم