تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
لأن ما بعدهما ليس غاية لما قبلهما ولا مسببا عنه ، وجعل ابن هشام من ذلك الحديث : « كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللّذان يهوّدانه أو ينصّرانه » إذ زمن الميلاد لا يتطاول فتكون « حتّى » فيه للغاية ، ولا كونه يولد على الفطرة علته اليهوديّة والنصرانية فتكون فيه للتعليل ، ولك أن تخرجه على أن فيه حذفا ، أي يولد على الفطرة ويستمرّ على ذلك حتى يكون .
شرح
أبير أهلك يقال : بار الرجل إذا هلك ، وأباره اللّه إذا أهلكه ، والغاية في البيت ممكنة أي : لا أترك ثأره إلى أن أقتل هذين الحيين ، فأترك حينئذ لحصول القصد بإهلاكهما ، وكذا التعليل ممكن أيضا أي : لا أترك الأخذ إلا أخذا بالثأر كي أقتل هذين الحيين ، والاستثناء فيه إنما يظهر مع الانقطاع كما في البيت الذي قبله ؛ ( لأن ما بعدهما ) أي : ما بعد حتى التي في البيت الأول وحتى التي في البيت الثاني ، وهو الجود مع القلة والإبارة لذينك الحيين ( ليس غاية لما قبلهما ) ، وهو انتفاء كون العطاء من الفضول سماحة في الأول والانقضاء وانتفاء ذهاب شيخه باطلا في الثاني ، ( ولا مسببا عنه ) وكلا هذين الأمرين في حيز المنع ، وقد بينا وجه ذلك في البيتين ، ( وجعل ابن هشام من ذلك الحديث ) المشهور وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( « كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه » « 1 » إذ زمن الميلاد لا يتطاول ، ويمتد فتكون حتى فيه للغاية ، ولا كونه يولد على الفطرة علته ) بإضافة العلة إلى الضمير العائد على الكون المذكور ، أي : ولا علة كونه يولد على الفطرة هي ( اليهودية والنصرانية فتكون ) حتى ( فيه للتعليل ) فلم يبق إلا أن تكون فيه بمعنى إلا الاستثنائية ، والاستثناء منقطع فيما يظهر ، ( ولك أن تخرجه على أن فيه حذفا أي : يولد على الفطرة ويستمر على ذلك حتى يكون ) ، والتخريج متأت على وجه حسن ، بدون ارتكاب هذا الحذف ، وذلك بأن يجعل قوله : يولد صفة لمولود ، وقوله : على الفطرة ظرفا مستقرا خبر المبتدأ أي : كل مولود يولد مستقرا على الفطرة ، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ، والمعنى : إن استقراره على الفطرة ممتد إلى أن يقع التهويد والتنصير ، فيزول ذلك الاستقرار حينئذ ، فإن قلت : فما فائدة هذه الصفة ؟ قلت : فائدتها توكيد العموم كما في قوله تعالى :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ[ الأنعام : 38 ] ، حيث وصف دابة وطائر [ ا ] بما هو من خواص الجنس لبيان أن القصد منهما أي : الجنس دون الفرد ، وبهذا الاعتبار أفاد الوصف تأكيد العموم ، وكذا القول في يولد سواء ، وقد قال المصنف في أوائل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب ما قيل في أولاد المشركين ( 1385 ) ، وأبو داود ، كتاب السنة ، باب في ذراري المشركين ( 4714 ) ، وأحمد ( 7141 ) .