أملّ القلم ، وأعقب الشّأم ؛ فجمعت هذه المسائل ونحوها مقرّرة محرّرة في الباب الرابع من هذا الكتاب ، فعليك بمراجعته ، فإنّك تجد به كنزا واسعا تنفق منه ، ومنهلا سائغا ترده وتصدر عنه .
شرح
للمفعول ، أي طلب أقصاه بحيث انتهى إلى غايته ، ( أمل القلم ) استعارة تبعية في الفعل فإن الإملال الحقيقي ، وهو إحداث السآمة وضجر النفس لا يتعلق بالقلم .
( وأعقب السأم ) بفتح السين المهملة والهمزة ، وهو الملالة أي : جعل السأم واقعا عقب الاستقصاء من غير تراخ .
( فجمعت هذه المسائل ) المتقدمة ( ونحوها مقررة محررة في الباب الرابع من هذا الكتاب ) وإذا كان الأمر كذلك ( فعليك بمراجعته ) أي : بالعود إليه ، وعليك هنا اسم فعل بمعنى استمسك وإنما فسرناه بذلك لوجود الباء في المفعول ، فهو مثل « عليك بذات الدين » « 1 » ، وصرح الرضي بأن الباء في مثله زائدة ، قال : والباء تزاد كثيرا في مفعول أسماء الأفعال لضعفها في العمل ، فتعمل بحرف عادته إيصال اللازم إلى المفعول .
قلت : الزيادة خلاف الأصل وقد أمكن جعلها بمعنى فعل متعد بالباء ، كما رأيت فلا يعدل عنه ، ثم علل المصنف الأمر بالمراجعة بقوله : ( فإنك تجد به ) أي : الباب الرابع ( كنزا واسعا تنفق منه ) ، والكنز المال المدفون ، والمراد بسعته كثرته .
( ومنهلا ) وهو اسم لمحل الشرب الذي ترده الشاربة ، واسم لما فيه من الماء المشروب .
( سائغا ) ، أي : سهل الدخول إلى الحلق ، فإن جعل المنهل اسما للماء المشروب فالإسناد حقيقي ، وإن جعل اسما لمكان ذلك فالإسناد مجازي نحو نهر جار ( ترده ) أي : تصل إليه نائلا منه ، وفي القاموس : الورود الإشراف على الماء وغيره دخله أو لم يدخله .
قلت : لكن المراد هنا المباشرة والنيل لا مجرد الإشراف عليه .
( وتصدر ) بضم الدال المهملة وكسرها مضارع صدر بمعنى رجع ( عنه ) أي : عن ذلك المنهل جعل المصنف هذا الباب محلا لما ينتفع به الناظر في نفسه ، ويستفيد منه ، ومن هذه الجهة شبه بالمنهل الذي يرده الشارب ، ويصدر عنه ريانا لما ناله منه ، ومحلا لما ينفع به ناظره
هامش
( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري في النكاح ، باب الأكفاء في الدين ( 5090 ) ، ومسلم في الرضاع ، باب استحباب نكاح ذات الدين ( 715 ) ولفظ : « إن المرأة تنكح على دينها ، ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك » .