وعن الثاني أنه إنما حكم على موضع الماضي بالجزم بعد « إن » الشرطيّة لأنها أثرت القلب إلى الاستقبال في معناه فأثرت الجزم في محلّه ، كما أنها لما أثرت التخليص إلى الاستقبال في معنى المضارع أثرت النصب في لفظه .
الأمر الثاني : كونها توصل بالأمر ، والمخالف في ذلك أبو حيّان ، زعم أنها لا توصل به ، وأن كل شيء سمع من ذلك ف « أن » فيه تفسيريّة ، واستدل بدليلين :
أحدهما : أنهما إذا قدّرا بالمصدر فات معنى الأمر .
شرح
( و ) الجواب عن الدليل الثاني بإبداء الفارق وذلك ( أنه إنما حكم على موضع الماضي بالجزم بعد إن الشرطية ، لأنها أثرت الاستقبال في معناه فأثرت الجزم في محله ) وأن المصدرية إذا دخلت على الماضي مثلا لا تؤثر في معناه شيئا ، فلا تؤثر عملا في محله فافترقا ( كما أنها ) أي : المصدرية ( لما أثرت التخليص إلى الاستقبال في معنى المضارع أثرت النصب في لفظه ) وقد يقال : ليس بين تأثير الأدوات لتخليص المعنى إلى الاستقبال ، وتأثيرها لنصب اللفظ تلازم بدليل سوف .
( الأمر الثاني كونها توصل بالأمر والمخالف في ذلك ) الشيخ أثير الدين ( أبو حيان زعم أنها لا توصل به ، وأن كل شيء سمع من ذلك فإن فيه تفسيرية ) لا مصدرية ، فإن قلت : فماذا تصنع في الآية المتقدمة وهيوَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 104 وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً[ يونس :
104 ، 105 ] فقد مر أنه لا يصح عطف أن أقم إذا جعلت فيه أن تفسيرية على أن أكون لمكان التخالف بالإفراد والجملية .
قلت : من يجعل الثانية مفسرة يجعله من باب عطف الجمل بعضها على بعض ، فيرتفع ذلك المانع والتقدير حينئذ : وأمرت أن أقم ، وهذا وإن كان سائغا من حيث الإعراب لكنه مفوت لفائدة معنوية مترتبة على جعل أن مصدرية معطوفة مع صلتها على أن أكون ، وذلك أن قوله : وأن أقم وجهك مع ما يليه من الآيات كالتفسير لقوله :أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ يونس : 104 ] على أسلوب أعجبني زيد وكرمه داخل معها في حكم المأمور به ، فلو قدر هذا الوجه وهو جعل أن مفسرة ، والتقدير : وأمرت أو أوحي إلي أو نوديت أن أقم فات ذلك الغرض ، وكانت الجملة مستقلة معطوفة على مثلها كذا قرره بعضهم ( واستدل بدليلين :
أحدهما : أنهما ) أي أن وما دخلت عليه ( إذا قدر بالمصدر فات معنى الأمر ) الذي كان مستفادا من الصيغة ضرورة أن المصدر لا دلالة له على الطلب البتة .