السببيّة من ناحية سبب ما ، لا ينافي إثباتها من ناحية سبب آخر ، فنفي العقاب بسبب تكليف مجهول ، لا ينافي ثبوته بسبب وجوب الاحتياط الذي هو وجوب معلوم ، وأما نفي الكلفة على المورديّة ، فهو مناف لدليل الاحتياط ؛ لأنّ الآية تحكم بأنّ المكلّف مطلق العنان في مورد التكليف غير المعلوم ، وأدلّة الاحتياط تحكم بوجوبه في المورد نفسه فيحصل التعارض بينهما .
57 - قيل : إنّ أدلة البراءة إن كانت تنفي الكلفة والإدانة بسبب التكليف غير المأتيّ ، لم تكن معارضة لأدلة وجوب الاحتياط لو تمّت ، اشرح المراد بهذا القول .
شرحه : أنّه لا تحصل معارضة مستقرّة حينئذ بين أدلّة البراءة وأدلة وجوب الاحتياط ، بل يكون دليل الاحتياط واردا ؛ لأنّ دليل البراءة ينفي الكلفة والإدانة من دون بيان ، والدليل على وجوب الاحتياط ، إذا كان تامّ الدلالة والسند يصلح للبيان فيكون مقدّما على دليل البراءة بالورود .
58 - استظهر الشهيد الصدر حمل البراءة المستفادة من آية :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
على المورديّة لا السببيّة ، بين دليله على هذا الاستظهار .
دليله : أنّه هو المناسب لسياق الآية ، وهو المال والإنفاق ؛ إذ لا معنى لكون المقصود :
لا يكلّف اللّه بسبب المال ؛ لأنّ المال ليس سببا للإدانة ، بل المناسب كون المقصود عدم التكليف بانفاق مال إلّا في حدود الميسور ، فكذلك الإدانة على عدم الامتثال إنما تختص بما يتمكن المكلّف من امتثاله ، وهو التكاليف الواصلة .
59 - ما الدليل على شمول البراءة المستفادة من قوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
للشبهات الحكميّة والموضوعيّة ؟