دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحه 176
الفنّ الأوّل علم المعاني ( 1 ) قدّمه على البيان لكونه منه بمنزلة المفرد من المركّب ( 2 ) [ إشكالان حول كلمة الفنّ ] ( 1 ) « الفنّ » كفلس واحده الفنون ، كفلوس ، وهي الأنواع ، كما في مجمع البحرين . وهنا إشكالان : الأوّل : في ذكر الفنّ معرّفا باللّام ، والثّاني : في حمل علم المعاني عليه . أمّا تقرير الإشكال الأوّل : فلأنّ الفنّ عبارة عن الألفاظ ، كما تقدّم ما يرشد إليه ، وهو قوله في المقدّمة « رتّب المختصر على مقدّمة وثلاثة فنون » ولا ريب أنّ المختصر اسم للألفاظ المخصوصة الدّالّة على المعاني المخصوصة ، ولم يتقدّم ذكر من الألفاظ المخصوصة ، بل ما تقدّم هو قوله : « وما يحترز به عن الأوّل علم المعاني » والمراد من علم المعاني ليس الألفاظ لعدم كونها سببا للاحتراز ، فلا يصحّ تعريف الفنّ بالعهد الذّكري لعدم تقدّم الألفاظ المخصوصة . أمّا تقرير الإشكال الثّاني : فلأنّ علم المعاني هنا إمّا عبارة عن الملكة أو عن نفس الأصول والقواعد الّتي هي معان مخصوصة ، وعرفت أنّ الفنّ عبارة عن الألفاظ المخصوصة ، فلا يصحّ حمل علم المعاني على الفنّ لأنّ النّسبة بين ما هو من مقولة الألفاظ ، وما هو من مقولة المعاني ، هي المباينة الكلّيّة ، فلا يصحّ حمل المباين على المباين . ويمكن الجواب عن الإشكال الأوّل : بأنّه لا يجب في المعهود ذكره سابقا ، بل يكفي فيه العلم به سابقا . والفنّ الأوّل من هذا القبيل ، إذ لمّا تبيّن أنّ ما يحترز به عن الأوّل علم المعاني علم أنّ ما يذكر في بيانه فنّ من الفنون وألفاظ مخصوصة . وبعبارة أخرى أنّه يصحّ التّعريف بالعهد الذّكري فيما إذا ذكر مدخول اللّام ضمنا والفنون الثّلاثة من هذا القبيل . أمّا الجواب عن الإشكال الثّاني : فيمكن بتقدير بيان ، أي الفنّ الأوّل المراد به الألفاظ المخصوصة في بيان علم المعاني المراد به المعاني المخصوصة ، أو نقول : إنّ المراد بالفنّ الأوّل هي المعاني المخصوصة بقرينة حمل علم المعاني عليه وإطلاق الفنّ على نفس العلم شائع كما يقال : الفنون الأدبيّة مثلا . ( 2 ) أي قدّم المصنّف علم المعاني على علم البيان ، لكون علم المعاني من علم البيان بمنزلة الجزء من الكلّ ، والجزء مقدّم على الكلّ طبعا ، فقدّمه وضعا ليطابق الوضع الطّبع .