الجهّال أتيتك بالتحية من الحقّ واله الخلق بعثني إليك لأبشرك وأذكر لك ما غاب عنك من أمور دنياك وآخرتك ، فاقبل بشارتي ومشورتي ولا تغفل عن قولي ، اخلع عنك الدنيا وانبذ عنك شهواتها ، وازهد في الملك الزائل ، والسلطان الفاني الذي لا يدوم وعاقبته الندم والحسرة ، واطلب الملك الذي لا يزول ، والفرح الذي لا ينقضي ، والراحة التي لا يتغيّر وكن صديقا مقسطا ، فانّك تكون امام الناس تدعوهم إلى الجنة .
فلمّا سمع يوذاسف كلامه خرّ بين يدي اللّه عزّ وجلّ ساجدا ، وقال : اني لأمر اللّه تعالى مطيع ، وإلى وصيته منته ، فمرني بأمرك فاني لك حامد ، ولمن بعثك اليّ شاكر ، فانّه رحمني ورؤوف بي ولم يرفضني بين الأعداء فاني كنت بالذي أتيت له مهتمّا ، قال الملك : اني أرجع إليك بعد أيّام ثمّ أخرجك فتهيّأ للخروج ولا تغفل عنه .
فوطّن يوذاسف نفسه على الخروج ، وجعل همّته كلّه فيه ولم يطّلع على ذلك أحدا حتّى إذا جاء وقت خروجه أتى الملك في جوف الليل والناس نيام ، فقال له : قم فأخرج ولا تؤخّر ذلك ، فقام ولم يفش سرّه إلى أحد من الناس غير وزيره ، فبينا هو يريد الرّكوب إذ أتاه رجل شاب جميل كان قد ملكهم بلاده فسجد له .
وقال : أين تذهب يا ابن الملك وقد أصابنا العسر أيّها المصلح الحكيم الكامل ، وتتركنا وتترك ملكك وبلادك ، أقم عندنا فانّا كنّا منذ ولدت في رخاء وكرامة ولم تنزل بنا عاهة ولا مكروه ، فسكّته يوذاسف وقال له : امكث أنت في بلادك ودار أهل مملكتك فأمّا أنا فذاهب حيث بعثت ، وعامل ما أمرت به ، فإن أنت أعنتني كان لك في عملي نصيبا .
عين الحياة — صفحة 535
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٥٣٥