الرغيفين ؟ فو اللّه لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش ، وعملت فيه الملائكة حتى ألقوه إلى الريح ، وعملت فيه الريح حتى ألقته إلى السحاب .
وعمل فيه السحاب حتى أمطره إلى الأرض ، وعمل فيه الرعد والملائكة حتى وضعوه مواضعه ، وعملت فيه الأرض والخشب والحديد والبهائم والنار والحطب والملح ، وما لا أحصيه أكثر ، فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر ؟ فقال أبو ذر :
إلى اللّه أتوب ، وأستغفر اللّه ممّا أحدثت ، وإليك أعتذر مما كرهت .
قال : ودعا سلمان أبا ذر رحمه اللّه ذات يوم إلى ضيافة ، فقدم إليه من جرابه كسرا يابسة وبلّها من ركوته ، فقال أبو ذر : ما أطيب هذا الخبز لو كان مع ملح .
فقام سلمان وخرج ، فرهن ركوته بملح وحمله إليه ، فجعل أبو ذر يأكل ذلك الخبز ويذر عليه ذلك الملح ، ويقول : الحمد للّه الذي رزقنا هذه القناعة ، فقال سلمان : لو كانت قناعة لم تكن ركوتي مرهونة « 1 » .
واعلم بما انّ كمال كلّ صفة كمالية في الممكن تكون بالاقرار بالعجز عن ادراكها ، فكذلك في مراتب الشكر كلّما شكر الانسان أكثر وتفكر في النعم التي أعطاها اللّه إياه في وقت الشكر وانّ ما يتوقف عليه الشكر كلّه من اللّه ، وتوفيق الشكر منه أيضا ، لعلم انّ في كلّ شكر آلاف من الشكر ، فيقرّ بالعجز عن أداء شكره تعالى ، كما روي عن الصادق عليه السّلام انّه قال :
أوحى اللّه تعالى إلى موسى : يا موسى اشكرني حقّ شكري ، فقال : يا ربّ كيف أشكرك حقّ شكرك ؟ ليس من شكر أشكرك به الّا وأنت أنعمت به عليّ ،
هامش
( 1 ) البحار 22 : 320 ح 8 باب 10 عن عيون أخبار الرضا عليه السّلام - أمالي الصدوق : 359 ح 6 مجلس 68 إلى قوله : « مما كرهت » .