. . . . . . . . . .
شرح
ثمّ إنّه ممّا ذكرناه في شرح « يكرهه » وأنّ متعلّق الكراهة هو ظهور العيوب ، ظهر اعتبار وجود المخاطب الجاهل بالحال في مفهوم الغيبة ، إذ بدون ذلك ينتفي قيد الظهور المعتبر فيها .
ومنها : وجود العيب المذكور المغتاب فيه . وقد توافقت على اعتباره أيضا كلمات اللغويّين وجملة من الأخبار المتعرّضة للفرق بين الغيبة والبهتان . ولا ينافي ذلك ما في رواية داود الآتية من تفسير الغيبة : « بأن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل ، وتبثّ عليه أمرا قد ستره اللّه عليه » الخبر ، حيث قيّده بكون المقول ممّا لم يفعله المقول فيه . وذلك لأنّ المراد من الغيبة في هذه الرواية هو مطلق ذكر العيب الجامع بين الغيبة بالمعنى الأخصّ وبين البهتان المقابل لها ، وسيصرّح قبل الخاتمة تعليل أنّ الغيبة قد يستعمل في الأخبار في البهتان . فكأنّه سئل عن الغيبة بالمعنى الأعمّ ، فأجاب عليه السّلام بأنّ قسما منها أن تقول في أخيك عيبا لم يفعله وهو البهتان ، وقسما آخر أن تبثّ وتنشر عليه أمرا قد فعله وستره اللّه عليه ، وهو الغيبة بالمعنى المقابل للبهتان .
ومنها : الكراهة . ويمكن استظهار اعتبارها من عبارتي القاموس والنهاية ، بملاحظة تقييد الذكر فيهما بما يسوء ، حيث إنّ السوء ممّا يكره الإنسان انكشافه غالبا . وأمّا عبارة الصحاح فهو من جهة أخذ قوله « بما يغمّه » موافق للمصباح من تلك الجهة . وأمّا قصد الانتقاص فقد استظهره المصنّف من عبائر الكتب الثلاثة سيّما القاموس ، ولم يتعرّض لمنشأ الاستظهار من عبارتي المصباح والنهاية . ولعلّ منشأه فيهما - بقرينة ما جعله وجها له في عبارة القاموس ، أعني : تفسيرها أوّلا بالعيب بقوله : « أي : عابه » - هو قول الأوّل : من العيوب ، وقول الثاني : بسوء . ولا يخفى ما فيه ، إذ كلّ واحد من الكلمات المذكورة في تعريف الغيبة في الكتابين له معنى مستقلّ لا ربط له بمعنى قصد الانتقاص ، فمن أين يتحقّق الظهور في هذا المعنى ؟
وأمّا تفسير القاموس فهو وإن كان ظاهرا فيه لو كان « عابه » في مقام التفسير ، بمعنى : أورد عيبا عليه أو أراد عيبه أو نقصه . وأمّا لو كان بمعنى : ذكر عيبه وأظهره ، بحيث يكون قوله : « وذكره بما فيه » عطف تفسير لما قبله كما لا يبعد . ولا يخفى أنّ المراد منه بقرينة تفسيره ثانيا بقوله : « وذكره بما فيه من السوء » هو هذا المعنى . ومن ذلك يظهر أنّه لو اكتفي بالتفسير الأوّل لما كان له ظهور فيما ذكره ، بل كان مجملا مردّدا بين المعنيين .