في قوله تعالى :
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
2 ففي صحيحة الشحّام 3 ومرسلة ابن أبي عمير 4 وموثقة أبي بصير المرويّات عن الكافي ، ورواية عبد الأعلى المحكيّة عن معاني الأخبار 5 وحسنة هشام المحكيّة عن تفسير القمّي رحمه اللّه 6 : تفسير " قول الزور " بالغناء . ومنها : ما ورد مستفيضا في تفسير " لهو الحديث " ، كما في صحيحة ابن مسلم 7 ورواية مهران بن محمّد 8
شرح
كما ذكره الشيخ الطبرسي . قال : نزلت هذه الآية في النضر بن حارث بن علقمة ، كان يتّجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيحدّث بها قريشا ، يقول لهم : إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله يحدّثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدّثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستحلّون حديثكم ويتركون استماع القرآن . وقيل : نزلت في رجل اشترى مغنية تغنّيه ليلا ونهارا . وهذا مرويّ عن ابن عبّاس عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . ويشهد لذلك ما حكي في شأن نزول الآية من أنّ بعض الكفّار كان يرتحل إلى بعض بلاد العجم فيتعلّم منه القصص والحكايات المحكيّة في القرآن ، حيث إنّ الصادر من البعض المذكور هو التعلّم ، وإنّما عبّر عنه في الآية بالاشتراء .
لا يقال : إنّ التعميم ينافيه قوله : « ليضلّ عن سبيل اللّه » لأنّ الظاهر منه الإضلال عن الدين بإيجاب الخلل في واحد من المعارف الخمسة ، ومن الواضح أنّ الغناء بمعنى الكيفيّة ليس من شأنه ذلك كما لا يخفى ، فلا يصحّ الاستدلال أيضا .
لأنّا نقول : نعم ، ولكنّ المراد منه هنا الإضلال والإخراج عن مطلق طاعة اللّه والإقدام على الفسق ومعصيته سبحانه وتعالى ، كما يشهد به رواية أبي بصير الآتية قال : « سألت عن كسب المغنّيات . فقال : التي يدخل عليها الرجال حرام ، والتي تدعى إلى الأعراس لا بأس به ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ . . . »ضرورة أنّ الإضلال الحاصل فيما يدخل عليهنّ الرجل هو صرف المعصية البدنيّة المنبعثة عن القوى الشهويّة الحيوانيّة .
لا يقال : لا يشمل الإضلال والخروج عن الطاعة بالنسبة إلى نفس المغنّي واللاهي فيما لم يسمعه الغير . لأنّا نقول : لا فرق جزما بين ذلك وبين إضلال الغير وإخراجه عن طاعة اللّه فتأمّل وافهم . أمّا وجه الاستدلال بما ورد في تفسير الزور في قوله سبحانه وتعالى في سورة الفرقانلا يَشْهَدُونَ الزُّورَفهو أنّ الظاهر من الآية وإن كان هو الشهادة المصطلحة على الوجه الباطل ، إلّا أنّه لا بدّ من أن يرفع اليد عن ظهورها فيها بعد ورود تفسير الزور بالغناء ، لعدم المناسبة بينه وبين الشهادة المصطلحة ، ويراد من الشهادة مجرّد الحضور في مكان ومجلس ، ومن الزور مطلق