على ما يعود عليه بالنفع ، ويتم النظام ، ويكثر العمران . فالقصاص : هو سبب ابتعاد الناس عن القتل ، فهو الحافظ للحياة .
وهذا القسم مطمح نظر البلغاء ، وبه تتفاوت أقدارهم ، حتى أن بعضهم سئل عن البلاغة فقال : هي « إيجاز القصر » . وقال أكثم بن صيفي خطيب العرب : « البلاغة : الايجاز » .
وإيجاز الحذف يكون بحذف شيء من العبارة لا يخل بالفهم ، عند وجود ما يدل على المحذوف ، من قرينة لفظية ، أو معنوية . وذلك المحذوف إما أن يكون :
1 - حرفا : كقوله تعالى :
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
أصله : ولم أكن « 1 » .
2 - أو اسما مضافا نحو :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
[ الحج : 78 ] أي ، في سبيل اللّه .
3 - أو اسما مضافا إليه نحو :
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ
[ الأعراف : 142 ] أي : بعشر ليال .
4 - أو اسما موصوفا كقوله تعالى :
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً
[ الفرقان : 71 ] أي : عملا صالحا .
5 - أو اسما صفة نحو :
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
أي : مضافا إلى رجسهم .
هامش
حد الإعجاز وتمتاز بوجوه ، منها أنها كلمتان ، وما نقل عنهم أربع ، ومنها أنه لا تكرار فيها . وفيما قالوه تكرار ، ومنها أنه ليس كل قتل يكون نافيا للقتل ، وإنما يكون كذلك إذا كان على جهة القصاص ، ومنها حسن التأليف وشدة التلاؤم المدركان بالحس في الآية الكريمة الّتي أعجزتهم أن يأتوا بمثلها . لا فيما قالوه في مثلهم البسيط الذي لا يزيد عن متعارف الأوساط .
( 1 ) . وكحذف لا في قول عاصم المنقري : [ الوافر ]رأيت الخمر جامدة وفيها * خصال تفسد الرجل الحليما
فلا واللّه أشربها حياتي * ولا أسقي بها أبدا نديمايريد : لا أشربها .
ويقع إيجاز الحذف كثيرا في أساليب البلغاء بشرط أن يوجد ما يدل على الحذف ، وإلا كان الحذف رديئا ، والكلام غير مقبول .