زَاكِيَةً ، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً ، وَآرَاءً عَازِمَةً ، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً ! / الخطبة / 83 / ص 109 جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا ، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا ، وَأَشْلَاءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا ، مُلَائِمَةً لِأَحْنَائِهَا ، فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا ، وَمُدَدِ عُمُرِهَا ، بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا ، وَقُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا ، فِي مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهِ ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ . وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَاقِهِمْ ، وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ . أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الْآمَالِ ، وَشَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الْآجَالِ . لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلَامَةِ الْأَبْدَانِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ الْأَوَانِ . فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ ؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ ، وَأُزُوفِ الِانْتِقَالِ ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ ، وَأَلَمِ الْمَضَضِ ، وَغُصَصِ الْجَرَضِ ، وَتَلَفُّتِ الِاسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالْأَقْرِبَاءِ ، وَالْأَعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ ! فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً ، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً ، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ ، وَمَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ ، وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا ، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا ، وَالْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا ، مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا ، لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا ، وَلَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئِ زَلَلِهَا ! أَ وَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالْآبَاءَ ، وَإِخْوَانَهُمْ
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 596
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٥٩٦