وَسَابِقُوا الْآجَالَ ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ ، وَيَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ ، وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ . فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ ، وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ .
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَاالْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا .
أَ فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ، ضَجِيعَ حَجَرٍ ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ ! أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ ! أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ ، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ ، وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ . فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ ! وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ ، وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ . فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا . أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ ، وَأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ ، وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ ، وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ ، وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
وَقَالَ تَعَالَى :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
. فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ ؛ اسْتَنْصَرَكُمْ « وَلَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . وَاسْتَقْرَضَكُمْ « وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ