تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
أم بالنظر وقضية العقل ؟ الجواب عن ذلك : انا نقول لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء ، فان العرب الذين ألفوا الشعر والخطب لا يخلو امرهم من حالين : إما انهم انتدعوا ما أتوا به من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل ، أو اخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم . فان كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على اسرار اللغة ومعرفة جيدها من رديئها وحسنها من قبيحها فكذلك هو الذي اذهب اليه ، وان كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم فهذا يتسلسل إلى أول من ابتدعه ولم يستقرئه ، فان كل لغة من اللغات لا تخلو من وصفى الفصاحة والبلاغة المختصين بالألفاظ والمعاني ، الا ان للغة العربية مزية على غيرها لما فيها من التوسعات التي لا توجد في لغة أخرى سواها - إلى أن قال - : انا نقول الفرق بين النحو وعلم البيان ظاهر ، وذاك ان اقسام النحو اخذت من واضعها بالتقليد حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك ، ولما كان العقل يأباه ولا ينكره ، فإنه لو جعل الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعا قلد في ذلك كما قلد في رفع الفاعل ونصب المفعول ، وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة فليس كذلك ، لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل من غير واضع اللغة ، ولم يفتقر فيه إلى التوقيف منه بل اخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة ، وحكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها ، فان كل عارف بأسرار الكلام - من اي لغة كانت من اللغات - يعلم أن اخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع خير من اخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع ، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه - انتهى .