ان يكون أول الكلام دالا على ما يناسب حال المتكلم ، متضمنا لما سيق الكلام لأجله ، من غير تصريح ، بل بألطف إشارة يدركها الذوق السليم ، والطبع المستقيم .
قال ابن المقفع : ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك ، كما أن خير ابيات الشعر الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته .
قال الجاحظ كأنه يقول : فرق بين خطبة النكاح ، وخطبة العيد وخطبة الصلح ، حتى يكون لكل فنّ من ذلك صدر يدل على عجزه ، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ، ويشير إلى مغزاك ، وإلى العمود الذي اليه قصدت ، والغرض الذي اليه نزعت .
قالوا : والعلم الأسنى في ذلك ( سورة الفاتحة ) التي هي مطلع القرآن ، فإنها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من البراعة ، لكونها أول ما انزل من القرآن ، فان فيها الأمر بالقراءة والبدء فيها ( باسم اللّه ) .
وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب ، واثبات ذاته ، وصفاته : من صفة ذات ، وصفة فعل .
وفيها ما يتعلق بالأحكام ، وما يتعلق بالاخبار : من قوله :
« عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » .
ولهذا قيل : انها جديرة ان تسمى عنوان القرآن ، لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارات وجيزة في أوله .
فقد ظهر مما ذكرنا : ان براعة الاستهلال في مطلع الكلام ، هو :
كونه دالا على ما بني الكلام عليه ، من مدح ، أو هجاء ، أو تهنئة أو عتاب ، أو توبيخ ، أو تقريع ، أو بشارة ، أو نعي ، أو غير ذلك .