وهذا الكلام يدلّ على انّ العلم المقدّم عين ذاته تعالى .
قلت : لمّا كان ظاهر الكلام السابق يدلّ على أنّه اختيار مذهب الكسمانس الملطي « 16 » وهو أنّ جميع الإيجادات العينيّة مسبوق بالعلم الزائد على الذات ، وجب حمل كلام الأخير وهو قوله : وصور تلك المعلومات مع كثرة عنده . . . إلخ على العلم المقدّم على العلوم التفصيليّة المتقدّمة على جميع الإيجادات العينيّة . وهذا العلم المقدّم هو عين ذاته تعالى وهو العلم الإجمالي بالعلوم المفصّلة .
والمذهب الثاني هو أنّ أوّل ما صدر عن الواجب الوجود بالذات هو جوهر فيه جميع صور باقي الممكنات وهو اختيار ثاليس الملطي « 17 » ، فعلى مذهبه يكون الجوهر المجرّد الأوّل غير مسبوق بالعلم المغاير لذات الواجب تعالى ، بخلاف مذهب الأوّل فإنّ جميع الموجودات العينيّة مسبوق بالعلم الزائد على الذات . وصاحب الشفاء فيه متحيّر بين هذين المذهبين لما في كلّ منهما ، واختار في الإشارات المذهب الأوّل كما يدلّ عليه ظاهر عبارته ، ولعلّ ذلك لاعتقاده أنّ في المذهب الثاني نفي الاختيار بالنسبة إلى الجوهر العيني الأوّل بناء على أنّ الاختيار لا يوجد بدون العلم المقدّم المتّحد مع المعلوم نحوا من الأنحاء وهذا النحو من العلم لا يكون عين ذات الواجب الوجود عند أهل التنزيه ويؤيّد هذا الاختيار اختيار تابعيه من صاحب الهداية « 18 » وبهمنيار هذا المذهب ، وأمّا المصنّف فلم يتعرّض هاهنا لنحو العلم الكمالي المقدّم على الإيجاد إلّا بالإشارة ، أمّا في شرح الإشارات فهو
هامش
( 16 ) في الأسفار : 6 / 221 هكذا : انكسيمانوس . وراجع ترجمة نزهة الأرواح للتبريزي : 16 .
( 17 ) راجع ترجمة نزهة الأرواح : 15 .
( 18 ) أي الهداية الأثيريّة ومؤلّفها : القاضي حسين بن معين الدين الميبدي .