لأول الشكّ إلى مقام الامتثال المسبوق بالقطع بالاشتغال ، حيث إنّ انحدار التكليف إلى ذلك العنوان يقينيّ ، وإنّما الشكّ في حصول البراءة بنفس إتيانه عاريا عن القصد .
والحقّ هو البراءة ، لاتّساع نطاق الشكّ إلى مقام الثبوت أيضا ، لا السقوط فقط ، حيث إنّه يشكّ في كيفيّة الجعل وسنخ الثبوت : من أنّه هل اعتبر فيه لزوم القصد زائدا عن متن العمل أم لا ؟
والعجب أنّ الفقيه الهمداني - رحمه اللَّه - الّذي قد حكم بالبراءة في الشك في المحصّل إذا كان بيانه سعة وضيقا بيد الشرع - كما في الطهارة - قد اختار هنا الاشتغال ، مع أنّه أهون وأبين من هناك ، إذ الشكّ هنا في نفس الجعل وكيفيّته ، زعما منه بعدم حكومة البراءة هنا على قاعدة الشغل لأنّ القصد ليس كلفة زائدة .
والحاصل : أنّ القصر والتمام إن كانا نوعين متباينين - كالظهر والعصر - يحتاج العدول من أحدهما إلى الآخر إلى دليل مستأنف وراء ما يدلّ على التخيير ، لأنّه - أي العدول - عبارة عن قلب الحقيقة إلى حقيقة تباينها ، ومن المعلوم : أنّ مجرّد الحكم بالتخيير قاصر عن إفادته ، اللَّهم إلّا إذا كان ذلك التخيير استمراريّا .
وأمّا إن كانا فردين من نوع واحد ، فلا يحتاج العدول من أحدهما إلى الآخر إلى دليل مستأنف وراء التخيير ، لأنّ التعيين حينئذ إنّما هو بيد المكلّف ، فله أن يسلّم على ركعتين فيصير قصرا ، وأن يسلّم على أربع فيصير تماما . فاتّصافه بأحدهما متوقّف على إرادة المكلّف وكيفيّة عمله ، فعليه يكون العدول عمليّا - كما مرّ - حتّى فيما لو قصد أحدهما الخاصّ ، إذ لا يصير بمجرّد القصد معيّنا ، لأنّ هذا العنوان لم يؤخذ في قوامه .
نعم : لا بدّ من انحفاظ القدر المشترك حتّى يبقى التخيير وجواز العدول بحاله ، ولذا قيّد في المتن بعدم تجاوز المحلّ ، إذ العدول من التمام إلى القصر إنّما يمكن فيما لم يأت بالركعة الثالثة ، وأمّا بعدها فلا مجال لجعل المأتيّ به
كتاب الصلاة تقرير أبحاث السيد محمد المحقق الداماد — صفحة 270
مساهمون: الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
ص٢٧٠