تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في شرح العروة الوثقى ( طبع جديد ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
شرح
الطلاء قبل هذه القصّة حيث راجع أهل الشام عمر شاكين له فساد بطونهم ؛ لتعوُّدهم على الأغذية الثقيلة ، وحرمة المسكر عليهم . فجاء نصرانيّ وقال : إنّنا تعوَّدنا على شرابٍ نشربه في موسم الصوم ليقوّينا على العبادة ، فجاء بشرابه وهو عصير عنبيّ مطبوخ وكان غليظاً كالرُّب ، فوضع عمر إصبعه فيه ، فقال : لكأ نّه طلاء الإبل ( وهو النفط الذي يطلى به الإبل ) ، ثمّ التفت عمر إلى عبادة بن الصامت الصحابيّ الجليل - وكان جالساً إلى جانبه - فقال : ما ترى في هذا ؟ فقال : أنا لا أرى أنّ النار تحلّل الحرام ، فانزجر منه عمر ، ونسبه إلى الحمق ، وأفتى بالحلّية ، فلمّا أباح لهم ذلك سكر بعض المسلمين ، فأقام الحدّ عليه ، ونهاهم عن التجاوز في الشرب إلى حدّ الإسكار . ويبدو من هذه القصّة أنّ عمر أراد تحليل الشرب من المسكر بالمقدار الذي لا يسكر إذا طبخ على النار ثمّ أسكر ، ولذا قال له عبادة : أنا لا أرى أنّ النار تحلّل الحرام . وقد بدأ النزاع منذ ذلك الوقت حول هذه النقطة ، وامتدّ في عصور الصحابة والتابعين والفقهاء ، فهناك من رأى رأي عمر ، وهناك من اتّفق مع عبادة في موقفه ، غير أنّ الطرفين معاً كانا متسالمين على أنّ الطبخ بالنار بنفسه ليس من موجبات الحرمة ، وإنّما الكلام بينهم في أنّه هل يوجب تعطيل الغليان الحاصل بعد الطبخ عن إيجاد الحرمة ، أوْ لا ؟ وكلمات الفقه السنّيّ مشحونة بتحرير النزاع على هذا الوجه ، وبالاختلاف بين المحلِّلين في مقدار الطبخ الموجب لسلخ الغليان عن السببية للحرمة . فقد ذهب البعض « 1 » إلى أنّ الطبخ الموجب لذلك هو الطبخ المُذهِب للنصف .
هامش
( 1 ) الإشراف على مذاهب أهل العلم 3 : 250 . والمحلّى 7 : 497
بحوث في شرح العروة الوثقى ( طبع جديد ) — صفحة 475 | السيد محمد باقر الصدر