شرح
بقوله تعالى :« الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . . . »« 1 » .
والتحقيق : أنّه إن أريد الاستدلال بحلّية طعام أهل الكتاب على طهارتهم بدعوى : أنّ هذا التحليل مسوق لنفي النجاسة مباشرةً ، فهو مندفع : بأنّ الظاهر من المقطع القرآنيّ المذكور أنّه بصدد إلغاء البينونة ، ونفي المقاطعة بين الجماعة المسلمة وأهل الكتاب ، وليس ناظراً إلى نفي النجاسة بعنوانها .
ولهذا فإنّ النصّ القرآنيّ يحلّل طعام المسلمينَ للكتابيّ ، كما يحلّل طعامه لهم . ومن الواضح أنّ تحليل طعام المسلمين للكتابيّ ليس في مقام نفي نجاسة المسلم ، بل التحليلان معاً يستهدفان غرضاً تشريعياً واحداً ، وهو ما ذكرناه من إلغاء البينونة ، ولهذا عطف على ذلك جواز نكاح الكتابية أيضاً ، فالسياق كلّه متّجه نحو ذلك ، فهو يدلّ على أنّ إضافة الطعام إلى أهل الكتاب ، وكونه طعامهم ليس ملاكاً للاجتناب والمقاطعة .
وإن أريد الاستدلال بالآية على الطهارة بدعوى : أنّها تُفهم ضمناً ؛ لأنّ الكتابيّ لو كان نجساً ومنجّساً لكان ارتباط الطعام به وكونه طعامه ممّا يقتضي الاجتناب عنه لنجاسته . فهو موقوف على أن تكون إضافة الطعام إلى أهل الكتاب بمعنى ما يعدّونه ويطبخونه من طعام ، كالأمراق - مثلًا - التي إضافتها إلى الكتابيّ بهذا المعنى مساوقة عادةً لملاقاته لها بنحوٍ موجبٍ للسراية .
وأمّا إذا كانت الإضافة بمعنى ما يكون ملكاً لأهل الكتاب وتحت سلطانهم من الطعام فمن الواضح أنّ هذه الإضافة لا تتضمّن الملاقاة المسرية دائماً ،
هامش
( 1 ) المائدة : 5