ثم ازداد النور في جرمه بازدياد ذلك المشترك وتبعه تطاول مدة إضاءته بعد غروب الشمس وتناوبت الأشكال النورية في جرمه متزايدة إلى الاستقبال فعنده اتحدت القطعتان واشتركتا بأسرهما فتمّ النور في جرمه وأضاء في كل ليلة ، ثم عاد بعده على تلك الأشكال بالتناقص وعكس مدد الإضاءة بعد غروب الشمس بالاظلام إلى استتمام ذلك في السرار وإذ كان ظل الأرض مقاطرا للشمس ملازما للمنطقة لا يأخذ عن جنبتها أكثر من نصف قطره والقمر دائم الانحراف عنها بعروضه فإن عرضه إذا نزر في وقت الاستقبال بحيث دخل أو بعضه في الظل انستر عن الشمس وانقطع نورها عنه فانكسف بقدر ذلك ، فظل القمر بسبب كسوف الشمس وظل الأرض بسبب كسوف القمر ومن الذي يمكنه من أهل النظر أن يحمل هذه التقديرات على قضية الاتفاق وقد عاين منافع الحركة الأولى في أحداث الليل والنهار وجدواهما على عمار العالم وعلم جدوى الحركة الثانية على جميع ما يصرف في مجاري الطبيعة تحت فصول السنة ، وإنما نصب اللّه تعالى الكسوفين من أعظم آياته ومحا نور القمر وخط موضعه ليتشكل بالهلال وصنوف الأشكال ، فيكون مواقيت للأعمال وقدر له عرضا وللجوزهر حركة لئلا يدوم كون الكسوف في كل اجتماع واستقبال فتصير عادة معتادة يرخي عنان الاعتبار بدوام المرور عليها ولكنه يكون في وقت دون وقت ليحمل على الحثّ عن سببه ويؤدي إلى النظر في عجائب الخلقة والاستدلال منها على مدبر الخليقة ، ولهذا جعل وقتا للعبادة زيادة في التنبيه والتذكير وإلّا فالقمر في السرار والمحاق أخفى جسما منه وقت كسوفه التام ، وفي الأشكال الحاصلة له عن جنبتي الاستقبال من النور والظلام على مثل ما يكون عليه في الكسوف غير التام ولمثله جعل الليالي الفاضلة في وقته فليلة البراءة للنصف من الشهر والظنون متجهة في ليلة القدر على سبع وعشرين منه ، ومعلوم مع هذا أنه لو لم يكن للقمر كسوف لما توصل إلى حركاته والتنقير عن أحواله ، ولو لم يكن للشمس كسوف تام لما عرف مقدار علوها عن الأرض ، وهذه هي طريق التسلق إلى تحقيق التفكر في الملكوت وخلق السماوات والأرض ، فأما الفرق بين أشكال نور القمر في جرمه وبين بواقيه من الكسوف وهي أن الأولى ينقسم ثلاثة أقسام :
أولها القاصرة عن النصف المشابهة للهلال وطرفاها يبقى طرفي جرم القمر لأن كل واحد من القطعة المستترة منه والقطعة المبصرة نصف دائرة بالتقريب والدوائر العظام تتقاطع على أنصاف ويشترك لها القطر الأعظم .
والقسم الثاني النصف نفسه في ليلتي الثامن والثاني والعشرين من الشهر
القانون المسعودي — صفحة 301
مساهمون: أبو ريحان البيروني
ص٣٠١