تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج الخلاص — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
ذلك علما جمّا وإن تسألوني تجدوني به عالما ، لا أخطئ منه علما ولا وافيا ولقد استودعت علم القرون الأولى وما هو كائن إلى يوم القيامة . ثم قال : يا أهل البصرة إنّ الله لم يجعل لأحد من أمصار المسلمين خطة شرف ولا كرم ، إلّا وقد جعل فيكم أفضل ذلك ، وزادكم من فضله بمنّه ما ليس لهم ، أنتم أقوم النّاس قبلة قبلتكم على المقام حيث يقوم الإمام بمكة ، وقارئكم أقرء النّاس ، وزاهدكم أزهد النّاس ، وعابدكم اعبد النّاس وتاجركم اتجر النّاس ، وأصدقكم في تجارته ومتصدّقكم أكرم النّاس صدقة وغنيّكم اشدّ النّاس بدلا وتواضعا ، وشريفكم أحسن النّاس خلقا وأنتم أكرم النّاس جوارا وأقلّهم تكلّفا لما لا يعنيه ، وأحرصهم على الصلاة في جماعة ثمراتكم أكثر الثّمار وأموالكم أكثر الأموال ، وصغاركم أكيس الأولاد ونساؤكم اقنع النّساء وأحسنهنّ تبعّلا ، سخّر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم ، والبحر سببا لكثرة أموالكم فلو صبرتم واستقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا وظلا ظليلا ، غير أنّ حكم الله فيكم ماض وقضاؤه نافذ لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب ، يقول الله :
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
« 1 » . وأقسم لكم يا أهل البصرة ، ما الذي ابتدأتكم به من التوبيخ ، إلا تذكير وموعظة لما بعد لكيلا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الذي وثبتم ، وقد قال الله لنبيّه صلوات الله عليه وآله :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » ولا الّذي ذكرت فيكم من المدح والتطرئة بعد التذكير ، والموعظة رهبة منّي لكم ولا رغبة في شيء ممّا قبلكم ، فإنّي لا أريد المقام بين أظهركم إن شاء الله لأمور تحضرني قد يلزمني المقام بها فيما بيني وبين الله لا عذر لي في تركها ولا علم لكم بشيء منها حتّى يقع ممّا أريد أن أخوضها مقبلا ومدبرا فمن أراد أن يأخذ بنصيبه منها فليفعل .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 58 . ( 2 ) سورة الذاريات ، الآية : 55 .
نهج الخلاص — صفحة 323 | الشيخ مهدي الفتلاوي