فتقدم تصريحه بأحقيته للخلافة ، وإنها نص من اللّه وهي غير قابلة للتنازل فكيف يقال ببيعته لأبي بكر وعمر وعثمان .
نعم إذا أريد من البيعة السكوت الذي فهم منه الناس الرضى بالبيعة ، فقد حصل ، وتقدم أنّ سكوته كان لمصلحة الاسلام والمسلمين وخوفه من ارتدادهم .
والإمام الحسن عليه السّلام حارب معاوية فلما خذله أصحابه سكت عن مقارعته ، وهو أعم من البيعة .
وكيف يبايع أمير المؤمنين أو الحسن عليهما السّلام ويخلع الخلافة من رقبته وهو القميص الذي ألبسه اللّه إياه ! ! ، أم أن عثمان فقط لا يجوز له أن يخلع قميصه ويتخلى عن خلافته ويبايع غيره ، اما أمير الخلق وابنه سيد شباب أهل الجنة فيجوز لهما ذلك ؟ !
أما الإمام الحسين عليه السّلام فشهادته كانت من أجل تأكيد عدم جواز التخلي عن الإمامة وحرمة البيعة للحكام الظلمة ومهما اقتضت الضرورة ، فإنها لا تتعدى السكوت عن أفعالهم لمصلحة الإسلام والمسلمين ما لم تغير معالمه كما كان في زمن يزيد .
وأما بقية الأئمة الثمانية : فالمسألة كانت أوضح إذ عاشوا في معزل عن الأوضاع السياسية - الظاهرية - مما جعل من الحكام عدم مطالبتهم بالبيعة ، خاصة بعد الأثر الذي تركه قتل أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام .
وولاية العهد للإمام الرضا عليه السّلام وقبوله إياها لا تكشف عن بيعته للمأمون انما كان لها ظروفها الموضوعية أوجبت قبوله بها وهو أعم من البيعة منه .
ومن روايات علل الغيبة أيضا ما روى عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام من طريق سدير قال : « إن للقائم منا غيبة يطول أمدها » .
فقلت له : يا ابن رسول اللّه ولم ذلك ؟
قال : « لأن اللّه عزّ وجلّ أبى إلّا أن تجري فيه سنن الأنبياء عليهم السّلام في غيباتهم ، وإنه لا بد يا سدير من استيفاء مدة غيباتهم ، قال اللّه تعالى
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
« 1 » أي سنن من كان قبلكم » « 2 » .
فكما ترى هذه الروايات تذكر بعض الأسباب التي أدت أو اقتضت غياب المفدى الإمام المهدي عليه السّلام ، وهي لا تنافي كون علة الغيبة الحقيقية أمر من اللّه وسر من سر اللّه لا يكشف عن وجهه إلّا صاحب هذه الغيبة عجّل اللّه فرجه .
هامش
( 1 ) سورة الانشقاق ، الآية : 19 .
( 2 ) كمال الدين : 2 / 480 ح 6 .